أمّا بعد ، فانّ اللّه - سبحانه - لمّا وفّقنى في ما مضى من الأيّام ، وألقى زمامى بيد المولى الإمام الهمام ، سيف الإسلام ، علّامة الأنام ، لسان الحكماء والمتكلّمين ، جمال المحقّين والمحقّقين ، كمال الملّة والدّين ، أبى جعفر ، أحمد بن علي بن سعيد بن سعادة - تلقّاه اللّه بأكمل الوفادة ، وتولّاه بأفضل الرّفادة ، وبلّغه من منازل علّيّين أعلى مراتب المقرّبين - أشار في جملة المباحث الشّريفة الإلهيّة والمسائل اللطيفة القدسيّة ، إلى إيراد هذه المسألة ، أعنى مسألة العلم على الإطلاق .
وذكر فيها ما يتعلّق بالخلاف والوفاق بين المتقدّمين والمتأخّرين ، من الحكماء والمتكلّمين . فانشعبت منها ، كما ترى ، تفاريع جليلة ومسائل نبيلة ، يطّلع المتأمّل فيها ، على جواهر مكنونة ، ويصل المتفكّر فيها إلى لطائف مخزونة ، لا يكشف عنها الحجاب إلّا الأفراد من أولى الألباب ، ولا يرفع عنها الجلباب إلّا من ايّد بروح الصواب .
وكان - قدّس اللّه سرّه ونوّر ضريحه - قد أشار إلى تلك التفاريع مجملة ، وعدّها أربعا وعشرين مسألة ، تجرى في نسق الحساب مجرى الفهرست من الكتاب ، فعاقه عن كشف قناعها عوائق الحدثان . حتّى درج إلى راحة الرّحمن وعرج إلى ساحة الرّضوان .
فرفعتها معتمدا في الوصول إلى نوادرها وأغوارها ، والنّزول على سرائرها وأسرارها ، على وحدانىّ الزمان وربانىّ البيان ، قطب أرباب العرفان والبرهان ، النّاهض إلى أعالي أفق عليّين ، السّارح في مسارح المتألّهين ، النّاطق عن مشكاة الحقّ المبين ، سلطان الحكماء والمتكلّمين ، نصير الحقّ والملّة والدّين ، محمّد بن محمّد الطوسىّ - أيّده اللّه بروح القدسيّين وبلّغه أعلى مناصب العلويّين - فأسعفنى في سؤالي بأرفع مراتب الإرادة ، وأسعدنى على منالى بأوسع مواهب السعادة ، فأقمر ليلى بلوامع أنوار أنظاره الزّاهرة ، وأسفر نهارى بسواطع أسرار أفكاره الباهرة ، نعمة منه وتفضّلا . وتكرمة من لدنه وتطوّلا . فجزاه اللّه عن طوائف العلماء أفضل الجزاء ،
اجوبة المسائل النصيرية ( 20 رسالة ) — صفحة 73
مساهمون: خواجه نصير الدين الطوسي
ص٧٣