الذي يشمل جزئيات الشئ بأسرها وفي « 1 » ( طول ) زمانه أيضا ، حتى أن الشئ الواحد بالشخص لو شوهد منه فعل مرات ، حكم على ذلك الشئ بذلك الفعل في طول زمانه كله : كمن يصدق مرة في كلامه أو مرّتين . أو أكثر ، فان في الطباع أنّ يحكم بأنه صدوق بالاطلاق ؛ وكذلك من يكذب . ومن شوهد منه شجاعة أو جبن أو خلق من الاخلاق مرات ، فإنه يحكم عليه بذلك أجمع دائما .
والحكماء ، لما عرفوا هذا المعنى من طباع الناس ، انّما اظهروا من أنفسهم حالا من الأحوال مرات كثيرة حتى حكم الناس عليهم بذلك الأمر دائما ؛ ثم أتوا بخلاف تلك الحال فيما بعد ، فخفى على الناس ذلك ، وظنّوه الحالة الأولى ، مثلما يحكى عن بعض الزهاد المتقشفين أنه كان ممّن عرف بالصلاح والسّدد « 2 » والزهد والعبادة ، وشهر عند الناس بذلك فلحقه خوف من جهة السلطان الجائر ، وأراد المهرب من مدينته تلك .
فخرج امر ذلك السلطان بطلبه وأخذه حيثما وجد ، ولم يمكنه الخروج من باب من أبواب المدينة . وخشي على نفسه الوقوع في يد أصحاب السلطان فعمد إلى لباس من لباس أهل البطالة فلبسه ، وأخذ بيده طنبورا « 3 » وتساكر في أول الليل وجاء إلى باب المدينة يغنّى على طنبوره ذلك . فقال له « 4 » البوّاب : « من أنت ؟ » فقال له مستهزئا : « أنا فلان الزاهد » . فظنّ البوّاب انه سخر منه ، فلم يتعرّض له . فنجا ، ولم يكذب في قوله .
هامش
( 1 ) زيادة يقتضيها السياق ، ويؤيدها ما يرد بعد ذلك بسطرين . وقد تركها ج ( - جبرييلى ) في نشرته على حالها ، كما في المخطوط : وفي زمان أيضا .
( 2 ) السدد والسداد : الصواب والاستقامة .
( 3 ) أي ادعى السكر .
( 4 ) ج : اليه - وهو خطأ . وقد ورد في المخطوط كما أثبتناه ، وهو التعبير الصحيح .