الفصل الأوّل في الألفاظ
[ دلالة المطابقة والتضمن والالتزام ]
دلالة اللفظ على المعنى بتوسّط الوضع له « مطابقة » كدلالة « الإنسان » على « الحيوان الناطق » ؛ وبتوسّطه لما دخل فيه ذلك المعنى « تضمّن » كدلالته على « الحيوان » ، وعلى « الناطق » فقط ؛ وبتوسّطه لما خرج عنه « التزام » كدلالته على « قابل العلم وصنعة الكتابة » .
أقول : لا شغل للمنطقيّ - من حيث هو منطقيّ « 1 » - بالألفاظ ، فإنّه يبحث عن القول الشارح والحجّة وكيفيّة ترتيبهما ، وهو لا يتوقّف على الألفاظ ، فإنّ ما يوصل إلى التصوّر ليس لفظ « الجنس » و « الفصل » بل معناهما ، وكذلك ما يوصل إلى التصديق مفهومات القضايا لا ألفاظها ، ولكن لما توقّف إفادة المعاني واستفادتها على الألفاظ صار النظر فيها مقصودا بالعرض وبالقصد الثاني « 2 » ؛
هامش
( 1 ) إنّما اعتبر هذه الحيثيّة لأنّ المنطقيّ إذا كان نحويّا أيضا فله شغل بالألفاظ ، لكن لا من حيث هو منطقيّ ، بل من حيث أنّه نحويّ ( شريف ) .
( 2 ) فالمنطقي إذا أراد أن يعلّم غيره مجهولا تصوّريّا أو تصديقيّا بالقول الشارح أو الحجّة ، فلا بدّ له هناك من الألفاظ ليمكّنه ذلك ، وأمّا إذا أراد أن يحصّل هو لنفسه أحد المجهولين بأحد الطريقين فليس الألفاظ هناك أمرا ضروريّا ، إذ يمكنه تعقّل المعاني مجرّدة عن الألفاظ ؛ لكنّه عسير جدّا ، وذلك لأنّ النفس قد تعوّدت ملاحظة المعاني من الألفاظ ، بحيث إذا أرادت أن تتعقّل المعاني وتلاحظها تتخيّل الألفاظ وتنتقل منها إلى المعاني ولو أرادت تعقل المعاني صرفة صعب عليها ذلك صعوبة تامّة كما يشهد به الرجوع إلى الوجدان ؛ بل نقول :
من أراد استفادة المنطق من غيره أو إفادته إيّاه احتاج إلى الألفاظ ، وكذا الحال في سائر العلوم ؛ فلذلك عدّت مباحث الألفاظ مقدّمة للشروع في العلم كما أشرنا إليه .
ثم إنّ المنطقيّ يبحث عن الألفاظ على الوجه الكلّي المتناول لجميع اللغات لتكون هذه المباحث مناسبة للمباحث المنطقيّة ، فإنّها أمور قانونيّة متناولة لجميع المفهومات ، وربما يورد على الندرة أحوالا مخصوصة باللغة التي دوّن بها هذا الفنّ لزيادة الاعتناء بها ( شريف ) .