[ 6 ] قال : البحث الثاني في موضوع المنطق :
موضوع كلّ علم ما يبحث فيه عن عوارضه التي تلحقه لما هو هو - أي لذاته - أو لما يساويه أو لجزئه ، فموضوع المنطق المعلومات التصوّريّة والتصديقيّة ، لأنّ المنطقيّ يبحث عنها من حيث أنّها توصل إلى مجهول تصوّريّ أو تصديقيّ ، ومن حيث أنّها يتوقّف عليها الموصل إلى التصوّر - ككونها كليّة وجزئيّة ، وذاتيّة وعرضيّة ، وجنسا وفصلا ، وعرضا وخاصّة - ومن حيث أنّها يتوقّف عليها الموصل إلى التصديق ، إمّا توقّفا قريبا - ككونها قضيّة وعكس قضيّة ونقيض قضيّة - وإمّا توقّفا بعيدا ككونها موضوعات ومحمولات .
أقول : قد سمعت أنّ العلم لا يتميّز عند العقل إلّا بعد العلم بموضوعه « 1 » ولمّا كان موضوع المنطق أخصّ من مطلق الموضوع « 2 » ، والعلم بالخاصّ
هامش
( 1 ) أي لا يتميّز عند العقل تميّزا تامّا ولا تحصل له زيادة بصيرة في الشروع في العلم إلّا بعد العلم بأنّ موضوعه ما ذا ؛ أعني التصديق بأنّ الشيء الفلاني مثلا موضوع لهذا العلم كما أشرنا إليه سابقا ( شريف ) .
( 2 ) هذا كلام القوم ويتبادر منه إلى الفهم أنّ المقصود تصوّر الموضوع ، فلذلك اعترض عليه بأنّ العلم بالخاصّ مسبوق بالعلم بالعامّ إذا اجتمع هناك شيئان :
أحدهما أن يكون العلم بالخاصّ علما به بالكنه ، وثانيهما أن يكون العام ذاتيّا للخاصّ ، وكلاهما ممنوع في صورة النزاع . وأجيب عن ذلك بأنّ الخاصّ هاهنا أعني موضوع المنطق مقيّد ، والعامّ أعني موضوع العلم مطلق ، ولا يتصوّر معرفة المقيّد إلّا بعد معرفة المطلق وانضمامه إلى ما قيّد به .
وردّ هذا الجواب بأنّ المطلوب هاهنا ليس تصوّر مفهوم موضوع المنطق حتّى يصحّ توقّفه على معرفة مفهوم الموضوع ، بل المطلوب معرفة ما صدق عليه مفهوم موضوع المنطق - كالمعلومات التصوّريّة والتصديقيّة - وليس ذلك مقيّدا ، فسقط ما ذكرتم ؛ بل الحقّ أنّه لمّا كان المقصود التصديق بأنّ الشيء الفلاني موضوع للمنطق ، وذلك لا يمكن إلّا بعد معرفة مفهوم الموضوع ، لأنّه وقع محمولا في هذا التصديق ، فسّره أوّلا .
والحاصل أنّ المطلوب في هذا المقام لو كان تصوّر ما صدق عليه مفهوم موضوع المنطق لم يحتج إلى معرفة مفهوم الموضوع أصلا ، لأنّه عارض له - لا ذاتيّ له - وأمّا إذا كان المطلوب التصديق بالموضوعيّة احتيج إلى بيان مفهومه ، سواء جعل في التصديق موضوعا وقيل : « موضوع المنطق هو هذا » أو جعل محمولا وقيل : « هذا موضوع المنطق » ( شريف ) .