تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تحرير القواعد المنطقية في شرح الرسالة الشمسية — صفحة 66

مساهمون:

ص٦٦
الآخر كسبيّ - كباقي الأشكال - والبعض الكسبيّ إنما يستفاد من البعض البديهيّ « 1 » ، فلا يلزم الدور ولا التسلسل . واعلم أنّ هاهنا مقامين : الأوّل الاحتياج إلى نفس المنطق ، والثاني الاحتياج إلى تعلّمه ؛ والدليل إنّما ينتهض على ثبوت الاحتياج إليه ، لا إلى تعلّمه . والمعارضة المذكورة وإن فرضنا إتمامها لا تدلّ إلّا على الاستغناء عن تعلّم المنطق ، وهو لا يناقض الاحتياج إليه ، فلا يبعد أن لا يحتاج إلى تعلّم المنطق لكونه ضروريّا بجميع أجزائه أو لكونه معلوما بشيء آخر ، وتكون الحاجة ماسّة إليه نفسه في تحصيل العلوم النظريّة ؛ فالمذكور في معرض المعارضة لا يصلح للمعارضة « 2 » ، لأنّها المقابلة
هامش
( 1 ) فإن قيل : استفادة البعض الكسبيّ من البعض البديهيّ إنّما تكون بطريق النظر ، فيحتاج في معرفة ذلك النظر إلى قانون آخر فيعود المحذور . قلنا : ذلك النظر أيضا بديهيّ ، فالكسبيّ من المنطق مستفاد من البديهيّ منه بطريق بديهيّ ، فلا حاجة إلى قانون آخر أصلا ( شريف ) .
( 2 ) قيل عليه : إنّما يلزم ذلك إذا قرّر كلام المعارض على ما وجهه به ، ولنا أن نقرّره هكذا : لو كان المنطق محتاجا إليه ، لكان إمّا بديهيّا أو كسبيّا ، وكلاهما باطل : أمّا الأوّل فلأنّه يلزم الاستغناء عن تعلّمه - وليس كذلك - وأمّا الثاني فللزوم الدور أو التسلسل في تحصيله » وعلى هذا فقد دلّت المعارضة على نفي الاحتياج إلى المنطق نفسه ، وحينئذ يجاب بذلك الجواب . وردّ : بأنّ إبطال كونه بديهيّا أو كسبيّا يدلّ على انتفائه في نفسه ، ولا تعلّق له بكونه محتاجا إليه أو غير محتاج إليه ، إذ يصحّ أن يقال : « ليس المنطق ممّا لا يحتاج إليه - وإلّا لكان إمّا بديهيّا أو كسبيّا - وكلاهما باطل - فوجب أن يكون محتاجا إليه » . فظهر أنّ هذه شبهة يتمسّك بها في نفي هذا العلم سواء احتيج إليه أو لم يحتج . ولنا أيضا أن نقول في تقرير المعارضة : « المنطق كسبيّ ، فلا يحتاج إليه في اكتساب النظريّات المحتاجة إلى المنطق : أمّا الأوّل فلأنّه لو لم يكن كسبيّا لكان بديهيّا - وهو باطل ، وإلّا لاستغني عن تعلّمه - وأمّا الثاني فلأنّه لو احتيج إليه مع كونه كسبيّا لزم الدور أو التسلسل » . ولم يلتفت الشارح إلى هذا التقرير إذ كان المناسب حينئذ أن يقدم المصنّف ذكر النظريّ وأن يشير إلى لزوم الدور أو التسلسل في اكتساب النظريّات المحتاجة إلى المنطق ، لا أن يقتصر على لزومهما في تحصيله في نفسه . ويمكن أن يقال : لمّا بيّن المصنف الاحتياج إلى المنطق نفسه أراد أن يبيّن أنّ حاله ما ذا : هل هو بديهيّ بجميع أجزائه حتّى يستغنى عن تدوينه في الكتب ، أو هو كسبيّ بجميع أجزائه حتّى يمتنع تحصيله - فضلا عن تدوينه - وبيّن فساد القسمين ، فظهر أنّ المنطق ليس ممّا يستغنى عن تدوينه ولا ممّا يمتنع تحصيله وتدوينه مع كونه محتاجا إليه ، فوجب أن يدوّن في الكتب . ولم يلتفت الشارح أيضا إلى هذا التوجيه ، لأنّ المشهور في كتب الفنّ إيراد المعارضة في هذا الموضع لنفي الاحتياج إليه ( شريف ) .
تحرير القواعد المنطقية في شرح الرسالة الشمسية — صفحة 66 | قطب الدين الرازي