وأمّا على موضوعه : فلأنّ تمايز العلوم بحسب تمايز الموضوعات « 1 » ؛
هامش
( 1 ) وذلك لأنّ المقصود من العلوم بيان أحوال الأشياء ومعرفة أحكامها ، فإذا كان طائفة من الأحوال والأحكام متعلّقة بشيء واحد أو بأشياء متناسبة ، وطائفة أخرى منهما متعلّقة بشيء آخر أو أشياء متناسبة أخرى ؛ كان كلّ واحدة منهما علما برأسها ممتازة عن صاحبتها ، ولو كانتا متعلّقتين بشيء واحد من جهة واحدة - أو بأشياء متناسبة من جهة واحدة - لكانتا علما واحدا ولم يستحسن عدّ كلّ واحدة منهما علما على حدة .
واعلم أنّ الواجب على الشارع في كلّ علم أن يتصوّره بوجه ما ، وإلّا لامتنع الشروع فيه - وأمّا تصوّره برسمه فإنّما يجب ليكون شروعه فيه على بصيرة - وأن يعتقد أنّ لذلك العلم فائدة مخصوصة تترتّب عليه سواء كان ذلك الاعتقاد جازما أو غير جازم ، مطابقا للواقع أولا .
وأمّا الاعتقاد بما فائدته وغرضه في الواقع ، فإنّما يجب ذلك لئلّا يكون سعيه في تحصيله ممّا يعدّ عبثا - على ما مرّ - وليزداد سعيه في تحصيله إذا كانت تلك الفائدة مهمّة له .
وأمّا معرفته بأنّ موضوع العلم أيّ شيء هو ؛ فليست بواجبة للشروع ، بل هي لزيادة البصيرة في الشروع .
فقوله : « لم يتميّز العلم المطلوب عنده ولم يكن له بصيرة في طلبه » أراد به أنّه لم يتميّز زيادة تميّز ولم يكن له زيادة بصيرة ، لأنّ التميّز والبصيرة قد حصلا له بتصوّره برسمه .
وقد تحقّق بما تقرّر أنّ مقدّمة العلم المذكورة هاهنا ثلاثة أشياء : أحدها تصوّر العلم بوجه ما أو برسمه ، وثانيها التصديق بفائدته ، وثالثها التصديق بموضوعيّة موضوعه .
والأولى أن يجعل مباحث الألفاظ أيضا من المقدّمة لتوقّف استفادة العلم وإفادته على معرفة أحوال الألفاظ ، إلّا أنّ المصنّف أوردها في صدر المقالة الأولى ، وقد يجعل من المقدّمة أيضا بيان مرتبة العلم فيما بين العلوم وبيان شرفه وبيان واضعه وبيان وجه تسميته باسمه ، والإشارة إلى مسائله إجمالا .
فهذه أمور تسعة ؛ ثمانية منها متعلّقة بالعلم المطلوب وموجبة لمزيد تميّزه عند الطالب ولزيادة بصيرته في طلبه ، وواحدة منها متعلّقة بطريق إفادته واستفادته ، أعني مباحث الألفاظ ، والأحسن في التعليم أن يذكر كلّها أوّلا ، وقد يكتفى ببعضها ، ولا حجر في شيء من ذلك ، إذ لا ضرورة هناك إلّا في التصوّر بوجه ما والتصديق بفائدة ما كما بيّناه ؛ ولذلك قال بعضهم : الأولى أن يفسّر المقدمة بما يعين في تحصيل الفنّ المطلوب ( شريف ) .