وإن أراد به التصوّر برسمه ، فلا نسلّم أنّه لو لم يكن العلم متصوّرا برسمه يلزم طلب المجهول المطلق ؛ وإنّما يلزم ذلك لو لم يكن العلم متصوّرا بوجه من الوجوه - وهو ممنوع .
فالأولى أن يقال : « لا بدّ من تصوّر العلم برسمه ليكون الشارع فيه على بصيرة في طلبه » « 1 » فإنّه إذا تصوّر العلم برسمه وقف على جميع مسائله إجمالا « 2 » ، حتى أنّ كلّ مسألة منه ترد عليه علم أنّها من ذلك العلم ؛ كما
هامش
( 1 ) الوجه السابق يدلّ على وجوب التصوّر بوجه ما وامتناع الشروع مطلقا بدونه ، وهذا الوجه يدلّ على أنّه لا بدّ في الشروع على بصيرة من تصوّر العلم برسمه ، ولا يدلّ على أنّه لولاه لامتنع الشروع مطلقا ( شريف ) .
( 2 ) أراد به أنّ من تصوّر النحو مثلا بأنّه « علم بأصول يعرف بها أحوال أواخر الكلم من حيث الإعراب والبناء » حصل عنده مقدّمة كليّة وهي أنّ كل مسألة من مسائل النحو لها مدخل في تلك المعرفة ، فإذا أورد عليه مسألة معيّنة منها يتمكّن بذلك من أن يعلم أنّها من النحو بأن يقول : « هذه مسألة لها مدخل في معرفة إعراب الكلمة وبنائها ، وكلّ مسألة كذلك فهي من النحو ، فهذه المسألة منه » وكذا إذا تصوّر الميزان بأنّه « آلة قانونيّة تعصم مراعاتها الذهن عن الخطأ في الفكر » حصل عنده مقدمة كليّة ، وهي أنّ كل مسألة منه لها مدخل في تلك العصمة ، وتمكّن بذلك من أن يعلم مسائله ويميّزها عن غيرها تمكّنا تامّا ؛ وبالجملة إذا تصوّر علما برسمه فقد عرف خاصّته ، وعلم أنّ كلّ مسألة منه لها مدخل في تلك الخاصّة ؛ وبذلك يقدر - إذا أورد عليه مسألة منه أن يعلم أنّها منه - قدرة تامّة ، فكأنّه قد علم ذلك أوّلا ؛ ولم يرد أنّه بمجرّد تصور العلم برسمه قد حصل له بالفعل العلم بتميّز مسائله من غيرها ، حتى يرد عليه أنّه خلاف الواقع ؛ إذ ليس كلّ من تصوّر علم المنطق بما ذكرنا حصل له العلم بالفعل بكل مسألة منه تورد عليه أنّها منه ( شريف ) .