أمّا المقدمة ففيها بحثان :
الأوّل في ماهيّة المنطق وبيان الحاجة إليه .
أقول : الرسالة مرتّبة على مقدّمة وثلاث مقالات وخاتمة .
أمّا المقدّمة : ففي ماهيّة المنطق وبيان الحاجة إليه وموضوعه .
وأمّا المقالات : فأولاها في المفردات « 1 » والثانية في القضايا وأحكامها ، والثالثة في القياس .
وأمّا الخاتمة : ففي موادّ الأقيسة وأجزاء العلوم .
وإنّما رتّبها عليها ، لأنّ ما يجب أن يعلم في المنطق « 2 » إمّا أن يتوقّف الشروع فيه عليه ، أو لا ؛ فإن كان الأوّل فهو المقدّمة .
هامش
( 1 ) قد يطلق « المفرد » ويراد به ما يقابل المثنّى والمجموع - أعني الواحد - وقد يطلق ويراد به ما يقابل المضاف ، فيقال : « هذا مفرد » - أي ليس بمضاف - وقد يطلق على ما يقابل المركّب - وسيأتي في مباحث الألفاظ - وقد يطلق على ما يقابل الجملة ، فيقال : « هذا مفرد » أي ليس بجملة ، وهو بهذا المعنى الأخير يتناول المركّبات التقييديّة أيضا .
والمراد بالمفردات هاهنا هو هذا المعنى الأخير ، فيندرج فيها الكليّات الخمس والتعريفات أيضا لأنّها مركّبات تقييديّة ، والدليل على ذلك أنّه قد جعل المفردات في مقابلة القضايا حيث قال : « المقالة الثانية في القضايا » ( شريف ) .
( 2 ) قيل عليه : إنّ ما يجب أن يعلم في المنطق يكون جزء منه ، لأنّ ما هو خارج عنه لا يعلم فيه قطعا ، وحينئذ يلزم أن تكون المقدّمة جزء من المنطق ، وهو باطل ، لاتّفاقهم على أنّ مقدّمة الشروع في العلم خارجة عنه . وأيضا إذا كانت المقدّمة جزء منه كان الشروع فيها شروعا في المنطق ، إذ لا معنى للشروع فيه إلّا الشروع في جزء من أجزائه ، والمفروض أنّ الشروع في المنطق موقوف على المقدّمة ، فيكون الشروع في المنطق موقوفا على الشروع في المقدّمة قطعا . فنقول : الشروع في المقدّمة شروع في المنطق ، والشروع في المنطق موقوف على الشروع في المقدّمة ، فيلزم أن يكون الشروع في المقدّمة موقوفا على الشروع في المقدّمة وذلك محال .
والجواب أنّ في الكلام مضافا محذوفا ، أي « ما يجب أن يعلم في كتب المنطق » فيلزم حينئذ أن تكون المقدّمة جزء من كتب المنطق ( ن : كتب الفن ) - لا جزء منه - فاندفع المحذوران معا .
والدليل على تقدير هذا المضاف أنّ المقصود بيان انحصار الرسالة في الأشياء الخمس - لا بيان انحصار العلم . فحاصل الكلام أنّ هذه الرسالة كتاب في هذا الفنّ وكل كتاب في هذا الفنّ يليق به أن يترتّب على هذه الأشياء الخمس ، فهذه الرسالة يليق بها أن تترتّب عليها ؛ أمّا الصغرى فظاهرة ، وأمّا الكبرى :
فلأنّ ما يجب أن يعلم في كتب هذا الفن - الخ ( شريف ) .