الأسفل .
وعلم يسمّى علم الغيب وهو المعرفة بالغيب عن الابصار وتبصرة العقول .
فإذا نسبت هذا العلم ، قيل العلم الاعلى .
( 8 ) وعلم يسمّى علم الأدب ، وهو علم الحساب والهندسة والنجوم وتأليف اللحون . وإذا نسب هذا العلم قيل [ ال ] علم الأوسط . وانما جعل وسطا ، لأنه ارتفع عن الأسفل ولم يبلغ الاعلى . وانما سمّى الأدب ، لأنه رياضة للقلوب وجلاء وصفاء وبهاء وبلغة ووصلة إلى العلم الاعلى . وقد شبّه ذلك بالسّلالم والدّرج وضرب له مثلا ، فقيل : قلّما ما يستطيع رجل قد استغرقه العلم الأسفل ، ان يسمو إلى العلم الاعلى ، ولو فعل ذلك بغتة ونهزة وجسرة . ولكن إذا تصعّد إلى الأدب ، ومن الأدب إلى العلم الاعلى ؛ كانت تلك رياضة وترقّيا منه في درجات ليست بالمنقطعة ما كان فيه . حتى إذا ارتفع عن منزلة البهائم التي لا يتم لها الا آحادا إلى منزلة الأدب التي زايلت منزلة البهائم ؛ اقرّت نفسه بهجران الجسد بعض الاقرار ، وحدثت خفّة نهوض ، وكان كالرّجل الذي أطيل حبسه في البيت المظلم ، فلما اخرج استقبال الشمس فجأة ، حار بصره عن الضوء ، وضعف عن حمله . ولكنه ان اخرج إلى أهون منه ظلمة ، ثم من ذلك إلى أضوأ منه ، حتى يستعدّ بصره للضوء ؛ كان ذلك له قوة واستمرار إلى آخر القسم الأول من الحكمة التي هي العلم .
( 9 ) ثم القسم الثاني الذي هو العمل ، وهو التدبير والسياسة ، ثلاثة أقسام :
منها سياسة العامّة كسياسة الأمصار والكور . ومنها سياسة الخاصة كسياسة الرّجل أهل بيته . وسياسة خاصة الخاصة كسياسة الرجل على أخلاقه واعماله .
فان على الرجل سياسة خاصة نفسه بان يتشبه بسياسة 2 الملك القوى الحازم الذي يسنّن على رعيته سنن العوام ، فيأمرهم بما فيه من الصلاح ، وينهيهم عن ما فيه من الفساد ، ثم يثيب من اطاعه ، ويعاقب من عصاه ، ويتشبّه بالرجل المحسن تدبير أهل بيته في تقدير معايشهم ، وتوكيلهم باعمالهم ، والمبالغة 3 في امرهم ونهيهم ، ثم الايثار بالكرامة من حفظ امره ، والشدة في الأدب على من خالفه ، فيأخذ بذلك نفسه في جميع اخلاقها وأهوائها وشهواتها ، ويسنّن عليها السنن في لزوم منافعها
المنطق ( ويليه حدود المنطق لابن بهريز ) — صفحة 3
مساهمون: ابن المقفع
ص٣