فاعلموا ان تفسير الحدّ الأول قد بطل بما عجزتم عنه من قياده . وهذا كقول الذين يجحدون العلم ، ويزعمون انّ شيئا من الأشياء ليس بمعلوم ، وقد بدءوا قبل نقض حجتهم في الحدود بنقضهم رأيهم في الجحود . فقيل : أرأيتم هذا الّذي يحتجّون بما لا يعلمون . وان كان معلوما ، فقد بطل جحودكم العلم ، إذ وقفتم على امر معلوم ( 4 ) ثم أجيبوا بما شغبوا به في رسم الحد من ذكر تفسير التفسير إلى ما لا ينقضى .
فقيل : انما الحدّ اسم بنى على أحرف معلومة . ثم هو بعد ذلك كلام صار لذلك الاسم تفسيرا . فلم تروا انا انما فسرنا الاسم ، ولم نفسر التفسير . ونحن مقرّون بان كل اسم محتاج إلى التفسير الذي هو الحدّ ، ولم نقل كل تفسير محتاج إلى تفسير .
ولو كنّا قلنا ذلك ، لجاز لكم ان يكلّفونا تفسيرا ثانيا وثالثا ورابعا وخامسا . ولكن للأمور أصولا إذا انتهى إليها ، استغنى ظهورها عن التفسير . فهذا بيان النقض على الّذين أرادوا ان يبطلوا الحدود ، ليبطل بذلك علم الأمور .
( 5 ) ثم من صفة الحد ان الزيادة فيه نقصان ، والنقصان فيه زيادة . وذلك انّا إذا قلنا في حدّ الانسان : انّه حيّ ناطق ميّت ، فلو زدنا في هذا الحد ، فقلنا : حيّ ناطق ميّت كاتب ؛ لكنّا قد نقصنا من الحدّ ، فلم يحط الّا كلّ كاتب من الناس . ولو نقصنا من الحد فقلنا : حيّ ميّت ؛ لزاد ذلك في الحد ، حتى يجاوز الناس إلى البهائم والطير وسائر الحيوان ، فكلها حيّ ميّت .
هذا في الاسمين اللّذين ذكرنا من الحد والقسمة ، وان جرى من ذكرهما ما جرى ، وكانت هي الغاية التي في الاجراء إليها ، يحتاج إلى هذين الاسمين ، وما سواهما - من الأسماء المشتقّات بها في صناعة المنطق ، فنحن جدراء ان نقسم الحكمة ، ونحدّها بحدودها .
( 6 ) فالحكمة قسمان : قسم هو تبصّر 1 القلب وتفكيره ويسمّى العلم ، وقسم هو حركة القلب وقوّته ويسمّى العمل .
( 7 ) ولكل واحد من هذين القسمين ثلاثة أقسام . فالعلم ثلاثة :
علم يسمّى علم الأجساد ، وهو علم منافع الدنيا من الطب والصناعات والتجارات ، وكل ما يقع على جسد قائم معلوم . وإذا نسب هذا العلم ، قيل [ ال ] علم
المنطق ( ويليه حدود المنطق لابن بهريز ) — صفحة 2
مساهمون: ابن المقفع
ص٢