الحساب . ولو قال : كلّ لون ابيض أو اسود ، أو قال : كلّ انسان مالك أو مملوك ؛ كان هذا الاختلاف كاذبا غير محيط .
فامّا الاختلاف الّذي يكون في الكلام ، فمحيط على كل حال ، فارق للصّدق من الكذب . فان قال : فلان كاتب ، وقال آخر : فلان غير كاتب ؛ لم يكن بدّ من أن يكون أحدهما صادقا ، والآخر كاذبا . وليس كلما يكون في الكلام ، من ضروب يكون الفرقان من الصدق أو الكذب في الاختلاف الذي أحد جانبيه صادق ، والآخر كاذب على كل حال .
وامّا الاختلاف الّذي يتفق ويثبت جانباه جميعا على الصدق والكذب ، فانّه لا يفصل صدقا من كذب . لانّه ربما اختلف القولان ، والحدّ الموضوع والمحمول والوقت واحد ، فلا يتناقضان . وإذا لم يكن الامر الذي توجّه قبله القولان واحدا ، وذلك ان فلانا لو قال : العسل نافع للمريض ، وقال الآخر العسل غير نافع للمريض ، فلم يعن لونا واحد من المرض ؛ لكان الامر ممكنا من أن يكونا صادقين جميعا ، فإنه نافع لأصحاب مرض البلغم ، غير نافع لأصحاب مرض المرّة الحمراء .
قال : ثم قلنا بلا مغالطة يتشابه الأسماء ، بأنّه لو قال قائل : كان الإسكندر ملكا ، ثم قال الآخر : لم يكن الإسكندر ملكا ، لكان الامر ممكنا من أن يكونا صادقين جميعا ، إذا كان أحدهما يعنى الإسكندر الملك بن فيلفوس المقدونانى ، وكان الآخر يعنى إسكندر آخر مخالفا صفته لصفته .
وقال : انّما اضطرارنا إلى هذا التّطويل والاحتياط مشاغبة السوفسطائيين ومغالطتهم وتعنّتهم .
( 69 ) ثم اخذ في الاخبار عن الاخبار عن الكلام المؤلف من اسم وحرف ، كقول القائل : النّار حارّة ، وعن عدّة ما يكون من القضايا في هذا الضّرب من الكلام ، وما المهمل ، وكيف يكون الاختلاف المتناقض ، وكيف يوضع الابطال تلقاء الاثبات في الكلام الذي يؤلّف من اسم وحرف .
فكان الذي بدأ به الاخبار عن الكلام المحصور : ان من الكلام ما ابان عن
المنطق ( ويليه حدود المنطق لابن بهريز ) — صفحة 32
مساهمون: ابن المقفع
ص٣٢