وكان المعتقد أنه لم يتعرض من علماء العرب أحد للكلام في تعدد الأصوات حتى كشف العهد الأخير عما دبجه يراع ابن سينا في هذا الموضوع في شئ كثير من التفصيل والإسهاب .
وإذا وضح أنّ ابن سينا عاش في القرن العاشر وهو الزمن الذي عاش فيه هو كبالد وجيدو تقريبا تحقق لنا أن ابن سينا كان في بحثه هذا مبتكرا مبدعا غير متأثر بسواه ، ولا صلة له بمؤلفات ذينكما العالمين . وأظهر الدلائل على ذلك أن طريقة بحثه في هذا الموضوع وتفكيره فيه يختلف اختلافا بينا عن طريقة صاحبيه ، مع ما يزيد على هذا من بعد الدار ونأى المزار وتباين اللغة والفروق الأخرى من ثقافية وغير ثقافية بينه وبينهما .
إنما الذي تهم الإشارة إليه في هذا الصدد أن ابن سينا الفيلسوف العربي قد اتفق مع زميليه من علماء الغرب على أن خير مزج بين صوتين بأدائهما معا في انسجام وتوافق إنما يكون في الجمع بين الأساس وجوابه أو خامسه أو رابعه .
بل من العجيب أن يكون الأمر هنا على العكس . فقد تأثرت أوروبا في أواخر العصور الوسطى بالموسيقى العربية تأثرا كبيرا . فلقد ظلت الأندلس زهرة أوروبا اليانعة طوال خمسة قرون تنشر عليها أريجها من كل علم وفن وأرسلت أوروبا إلى جامعاتها بالبعوث لارتشاف العلوم العربية ودراستها على أئمة العرب وأساطين علمائها . وكان أكثر الكتب ذيوعا في الدراسة كتب الفارابي وابن سينا وابن رشد التي ترجمت جميعها إلى اللاتينية ، وانتشرت في جميع بلاد أوروبا كما ترجم غيرها من كتب العرب . كذلك نقلت أوروبا عن العرب كثيرا من مؤلفات اليونان الأقدمين التي سبق ترجمتها إلى العربية « 1 » .
وكانت الموسيقى أول هذه العلوم والفنون التي وفدت البعوث لدراستها وترجمة كتبها فيما بعد . وظلت أوروبا تعتبر بعد الثالثة في التأليف الموسيقى من الأبعاد الصوتية المتنافرة حتى القرن الثالث عشر حيث جارى الأوربيون العرب في احتساب هذا البعد غير متنافر .
هامش
( 1 ) أنظر :Farmer:HistoryofArabianMusic،