أليس الغاضب هو الذي يتشوق إلى الانتقام ، ويسئل عن حد الغضب فيقول : أليس الغضب هو التشوق إلى الانتقام . فإن إبدال السؤال على هذا الوجه يجمع منفعتين .
إحداهما : أن يظن المجيب أن فرقا بين حد الغضب وحد الغاضب ، وأنه ليس ما يسلم في حد الغضب يلزم في حد الغاضب . وهذا إخفاء ما .
والمنفعة الثانية : أن الحد إذا استعمل مجردا من المادة كان أعسر للإبطال .
مثال ذلك : أنا إذا قلنا إن الغاضب هو المتشوق إلى الانتقام ، عوندنا بغضب الآباء على الأبناء ، والغضب على الأصدقاء . وإذا أخذنا الحد مجردا عن المادة ، لم تسهل هذه المعاندة . والسبب في هذا أن المحمول متى حمل على موضوع وهو في المادة ، لحقته في المادة أعراض يمكن أن تشكك في وجوده للموضوع .
إلا أن هذه المنفعة ليست من هذا الباب الذي هو إخفاء النتيجة ، وإنما يسهل بها أخذ المقدمة من « 1 » المجيب .
هامش
( 1 ) أرسطو ، 8 ، 1 ، 156 ا 27 - 156 ب 3 : ت . ع . 316 ا 8 - 20 ، طبعة بدوي ، ص 693 - 694 : « وقد يتبغى أن نلتمس الحد أيضا في الأشياء التي يمكن فيها أخذ المقدمة الكلية ، ولكن لا نجعل التماسنا ذلك فيها بأعيانها ، بل في نظائرها . فإن الشبهة تدخل عليهم متى أخذ أحد الحد من النظائر ، ولا يشعرون بأنهم قد سلموا المقدمات الكلية . مثال ذلك : أنك ان احتجت إلى أن تأخذ أن الغضبان هو الذي يتشوق إلى الانتقام فقد ينبغي أن تأخذ أن الغضب هو الشوق إلى الانتقام لما يقع في الوهم من الامتهان .
فإنا متى فعلنا هذا ، حصل لنا لا محالة ما أردناه . فأما الذين يلتمسون ذلك في الأمور بأعيانها ، فقد يعرض أحيانا بأن يأبى المجيب قبول ما يأتون به لأنه يجد فيه موضعا للمناقضة ، إذ كان له أن يقول :
ليس كل من يغضب يتشوق إلى الانتقام لا محالة . وذلك انا إذا نغضب على أصدقائنا إلا أنا لا نتشوق إلى الانتقام منهم . وعمى أن تكون هذه المعارضة غير صحيحة ، إذ كان قد يجرى أن ينتقم من بعض الناس بأن يغموا ويجعلوا نادمين على ما فعلوا . الا أن في تلك المناقضة اقناعا ما ينفى عنها ما يتوهم من أن دفع ما احتج به في هذا المعنى كان بغير واجب . وأما في تحديد الغضب ، فليس يسهل وجود المناقصة على ذلك المثال » .
أصدقائنا : كتب فوقها في مخطوط الأورغانون 316 أ 16 : أقاربنا ، ولكن الأصل اليوناني يقول : والديناParents، في ترجمة بيكارد - كمبردج .
ابن سينا ، الجدل ، ص 307 : « وأما الشئ الآخر الذي هو منه بسبب ، فربما لم يشاكس فيه .
مثلا : إذا كان مراده أن يتسلم أن الغضبان هل هو المشتاق إلى الانتقام ، فربما احتال المجيب فأنكر أن يكون كل غضبان كذلك ، وقال : بل هاهنا غضبان على صديقه من غير أن يشتاق إلى الانتقام منه . وان كان غمه إياه بالغضب عليه نوعا من الانتقام منه . فإن ابتدأ السائل وسأله : أليس الغضب شهوة الانتقام ؟ كانت المشاكسة فيه أقل . فإذا سلم ، عاد وقال : فالغضبان اذن هو المشتاق إلى الانتقام .
والمواضع تختلف في هذا الباب . فربما كان المطلوب نفسه أقرب إلى أن يسلم من مقابله .
فهنالك لا ينفع هذا ، بل انما ينفع حيث يكون الأمر بالعكس ، كما في مثالنا . فإن الاعتراض الذي به أمكن أن يشاكس في تسليم أن الغضبان المشتاق إلى الانتقام ، وان كان غير صحيح ، فإنما كان يقرب حيث يقال : « الغضبان » ، ويبعد حيث يقال : « الغضب » .