إلى هذه المقدمة الأخرى من القياس الثالث وهي قولنا : الصحة كيفية ، ثم يضيف إلى هذه المقدمة الواحدة الأولى التي تنتج المطلوب وهي قولنا : الاعتدال من المضاف ، فينتج لنا من هذه الخمس المقدمات المطلوب ، وهو قولنا : إن الصحة ليست باعتدال . فيكون أبدا عدد المقدمات التي يسئل عنها زائدا على عدد الأقيسة بواحد . وذلك أنا نأخذ من كل قياس مقدمة واحدة ، ومن الأخير مقدمتيه معا . إلا أن هذا الوجه ليس يلحقه الإخفاء الذي يكون من قبل كثرة المقدمات . ولذلك ينبغي للسائل أن يتحرى الأنفع من الوجهين في مطلوب مطلوب .
وبيّن أن في مثل هذا العمل لا يصرح عند السؤال فيه بشيء من النتائج . وأما إن صرح بالنتائج طلب الكثرة ، فينبغي ، كما يقول أرسطو ، أن يؤتى بها جميعا بعد السؤال عن مقدماتها . ولا يسئل عن نتيجة نتيجة إثر السؤال عن المقدمتين اللتين تنتجها . فإن في هذا ضربا من الإخفاء لعدم الترتيب بين النتائج والمقدمات « 1 » .
هامش
( 1 ) أرسطو ، 8 ، 1 ، 156 ا 7 - 26 : ت . ع . 315 ب 15 - 316 ا 7 ، طبعة بدوي ، ص 692 - 693 : « فأما إذا قصدت لإخفاء النتيجة ، فقد ينبغي أن تتقدم فتحصل بالقياس المقدمات التي بها يتهيأ أن يعمل قياس على المطلوب الأول ، وأن يكون بحسب ما يمكن في غاية الكثرة . وذلك يكون ليس بأن تحصل المقدمات الضرورية فقط ، بل تحصل بالقياس أيضا غيرها مما يصلح استعماله معها . وقد ينبغي أيضا ألا يصرح بالنتائج ، بل يأتي بها على طريق الإجمال جملة في آخر الأمر . فإن بهذا الوجه يتهيأ لك أن تتباعد في الغاية من المطلوب الأول . وفي الجملة : من القول . فعلى هذا الوجه ينبغي أن يكون سؤال من يقصد في سؤاله إلى الإغماض ، حتى يكون إذا استوفى السؤال إلى آخره وذكرت النتيجة كانت المطالبة بلم تعد واقعة .
وهذا فإنما يكون خاصة بالوجه الذي تقدم ذكره . وذلك أنك إذا ذكرت النتيجة الأخيرة وحدها فقط لم يصح كيف لزمت ، إذ كان المجيب لم يتقدم فيعلم الأشياء التي عنها لزمت . لأنه لم يتقدم فيحصل القياسات التي هي أقدم . وقد يكون القياس على النتيجة أقل تحصيلا متى لم نأت بالمقدمات التي عنها يحدث ، وأتينا بالمقدمات التي ينتج عنها القياس .
وقد ينتفع أيضا في ذلك بألا نستعمل للقضايا الواجب قبولها التي عنها تحدث المقاييس على الاتساق والاتصال ، بل يبدل ترتيبها لتجب عنها نتائج مختلفة . وذلك أنه متى وضعت القضايا المتناسبة على ترتيب ، كان الأمر الذي يلزم عنها أشد ظهورا » .
ابن سينا ، الجدل ، ص 305 - 306 : « وأما الوصية في باب إخفاء النتيجة ، فأن ينظر إن كانت النتيجة تبين بقياسات بعيدة ، فيجب أن يبتدئ بأبعد المقدمات عن النتيجة ويتسلمها ، فينتقل عنها إلى القريبة ، سواء كان ذلك يبين بمقدمات قليلة أو يبين بكثيرة ، فيحسن أن لا يسأل عنها على الترتيب القياسي ، بل يسأل عن الأول في الترتيب الطبيعي ثانيا ، وعن الثاني أولا . . . » .