تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح حكمة الاشراق — صفحة 212

مساهمون:

ص٢١٢
قوله : واما التخلخل والتكاثف ليس الا بتبديد الاجزاء واجتماعها . أقول : ان التخلخل والتكاثف لهما معنيان : أحدهما ان التخلخل تباعد اجزاء الجسم بعضها عن بعض من غير أن تتباين بالكلية ، بل يتخللها جسم لطيف ارق منها ومقابله التكاثف وهو مذهب القدماء . واما التخلخل عند المشائين ، فهو حصول مقدار أكبر في المادة بعد زوال الأصغر عنها دون انضمام مقدار آخر إلى الأول أو مادة . واحتج المشاءون على مذهبهم بوجوه : الأول ان المقدار عرض حالّ في المحل الذي لا مقدار له ونسبته إلى جميع المقادير نسبة واحدة ، فقبوله للمقدار الكبير كقبوله للصغير ؛ وحينئذ يجوز ان يكبر الجسم ويصغر دون زيادة شيء أو نقصانه . وجوابه : ان الجسم ، على ما عرفت ، نفس المقدار الغير الحالّ في محل ليلزم ما ذكروه ، بل هو جوهر قائم بذاته . الثاني : ان القمقمة الصياحة إذا ملئت ماء واحكم صمامها ووضعناها في النار وتسخنت شديدا فإنها تنشق ؛ وليس ذلك الا لزيادة مقدار الماء الذي في القمقمة من غير أن يدخلها نار إذ ليس فيها مكان فاضى ، واما الذي الجأها ان تدخل في أضيق موضع من شأنها البروز عنه ، وكذلك الماء المخضخض يزداد مقداره دون مداخله اجزاء نارية وهوائية وهو بزيادة المقدار بالتخلخل والانبساط والتبدد بسبب الحركة ، وهي ان كانت طبيعية كانت إلى جهة واحدة دافعة للقمقمة إليها ، وليس كذا مع أن رفع القمقمة أهون من شقها . وليست الحركة قسرية لعدم القاسر هناك ولامكان لقاسر فتعيّن أن تكون الحركة بالتخلخل . والجواب ان القدماء المانعين لوجود الهيولى البسيطة والخلأ القائلين بان الجسم نفس المقدار يقولون بان الحرارة من شأنها تفريق الاجزاء وتبديدها فالحرارة المسخّنة للماء لا بدّ وان تحدث في اجزائه ميلا إلى الافتراق وذلك الميل الذي يشق القمقمة فإذا الاجزاء إلى الافتراق ومانعها جسم القمقمة ؛ والميل ذو مدد والخلأ ممتنع وليس بين الاجزاء