فالمادّة الواحدة تتوارد عليها المقادير المختلفة بالصغر والكبر ، وهي باقية غير متبدلة لا تفتقر إلى محلها من المقادير المختلفة ؛ فالمادّة موضوعة لتلك المقادير الحالّة فيها ، فالمقادير اعراض حالّة في تلك المادة الموضوعة لها .
قوله : ويردّ عليهم .
أقول : لما ذكر بالحجّتين المذكورتين عرضية المقدار اعترض عليهما ان الاتصال قد يراد به ما يكون بين شيئين متعددين في الخارج بحيث يتوهّم بينهما اتصال أو يحدث فاعل بينهما ذلك الاتصال ، أو يتوّهم ان اجزاء الجسم المتصلة بينها اتصال ، اما بوجود عرضين قارين واتصال محليهما وهذه الاتصال كلها اعراض لا تكون اجزاء للجسم الجوهري ؛ وقد يراد بالاتصال ما لا يكون بين شيئين ، بل ما يكون حاصلا في الجسم ويسمّون هذا الاتصال بالامتداد الصوري ، وهو « جوهر » . ولقائل ان يقول : ان هذا الامتداد الاتصالي لا يقابل الانفصال المذكورين في الحجة ، بل الامتداد نفس الجسم ، هو القابل للاتصال والانفصال ولو كان الامتداد الجوهري مقابلا للانفصال لم يكن أحدهما محلا للآخر ؛ ولما كان في الجسم امتداد من الطول والعرض والعمق والامتداد من حيث ذاته لا يقبل الانفصال بالكلية وحينئذ لا تتم الحجّة المذكورة ، ثم ادّعى بعد ذلك ان الجسم الجوهري هو مجرد المقدار القابل للامتدادات الثلاثة لا غير . واما ما قيل إن الامتدادات الثلاثة اعراض خارجة عن الحقيقة الجسمية لأنها تتبدل على موضوع ، كشمعة مع بقاء الحقيقة الشمعية ، ليس الا دعوى لا برهان عليها . فإنه ان جعل هذا المقدار ذاهبا في بعض الجهات ، من الطول والعرض والعمق ، عرضا فلا يلزم من ذلك ان يكون المقدار نفسه عرضا للجسم أو عرض ، إذ ما يزداد من الطول في الشمعة المعينة العريضة العميقة عند المدّ ينقص من عرضها وعمقها ، وكذا ما ينبسط في العرض ويزداد ينقص من الطول والعمق ، وكذا ما ينقص ما يزداد في العمق ينقص من الطول والعرض ، فيتصل بالمدّ بعض الاجزاء التي كانت متفرقة ،
شرح حكمة الاشراق — صفحة 209
مساهمون: شمس الدين محمد بن محمود الشهرزوري
ص٢٠٩