مستقلة في الأعيان . وإذا علمت أن مثل هذه الأشياء المذكورة من قبل ، كالامكان واللونية والجوهرية محمولات عقلية ، فلا تكون اجزاء للماهيات العينية . وليس إذا كان الشيء محمولا ذهنيا ، كالجنسية المحمولة على الشيء مثلا ، كان لنا ان نلحقه في العقل باي « 287 » ماهية اتفقت ويصدق ، بل لما يصلح له بخصوصه . وكذا الوجود وسائر الاعتبارات . أقول : ليست الجوهرية في الأعيان زائدة على الجسمية والمجردات العقلية ، بل هي من الاعتبارات العقلية ؛ فان جعل الشيء جسما أو عقلا أو معنى ، هو بعينه جعلها جوهرا . ثم الجوهرية عند صاحب الاشراق ليست عبارة الا عن كمال ماهية الشيء على وجه يستغنى في قوامه عن المحل . واما جماعة المشائين فقد عرفوا الجوهر بأنه « الموجود لا في موضوع » ، فالوجودية أمر اعتباري عرضى ونفى الموضوع سلبى لا صورة له في الخارج . فان قالوا بان هذا التعريف ليس بحدّ ولا رسم تامّ بل رسم ناقص ؛ والجوهرية أمر آخر وراء هذا التعريف . فإذا قيل لهم فاشرحوا لنا حقيقة الجوهرية وعرّفونا ماهيتها وذاتياتها يصعب عليهم ذلك ومن عادتهم ان يجعلوا الحقائق المعلومة لكثرة ما لزمهم من الأقوال مجهولة ثم إذا كانت الجوهرية أمرا آخر موجود في الجسم مثلا حاصلا فيه ، فهي موجودة لا في موضوع وتكون موصوفة بالجوهرية فلها جوهرية أخرى زائدة عليها ويعود الكلام إلى جوهرية الجوهرية متسلسلا مترتبا موجودا معا إلى غير النهاية ، وهو محال . فالصفات التي يوصف بها الموصوف كلها تنقسم إلى قسمين : أحدهما الصفات العينية التي لها صورة في العقل ، كالسواد والبياض والحلاوة والحركة وغيرها ؛ وثانيهما الصفات الذهنية ، وهي التي لا وجود لها في العين بل في العقل ، ووجودها في العين ليست الا نفس وجودها في الذهن ، وليس لها وجود غيرها في الذهن ، فيكون الكون لها في الذهن في مرتبة كون غيرها في الأعيان . وذلك
شرح حكمة الاشراق — صفحة 197
مساهمون: شمس الدين محمد بن محمود الشهرزوري
ص١٩٧
هامش
( 287 ) ط : بأية