إكسير الحكمة . فإذا كان هذا الكتاب وما فيه من الرموز والإشارات والمطالب المهمة مبنيا على هذه الأنوار ، فمن لم يحصل له هذه الأنوار ويصير ورودها ملكة ثابتة ( له ) لا يمكنه الاطلاع على اسرار هذا الكتاب ، ولأن هذه الأنوار أصل لمعرفة النفس والمجردات العقلية وأحوالها ؛ فإذا لم تحصل له هذه الأنوار لا يفهم ما يقال من معرفة ذواتها وصفاتها ، بل لا يتصور من تلك الالفاظ المتشابهة الا موضوعاتها الأصلية فيضل ضلالا مبينا ويخسر خسرانا عظيما بخلاف صاحب الاشراقات العقلية ؛ فإنه ينتقل ذهنه عند سماع تلك الالفاظ إلى ما باشره من النور بالذوق ، ووصل اليه بالنفس فلا يضل وانما قيّده بقوله ؛ « وصار وروده ملكة » ، لأنه ان لم يصير الورود ملكة ثابتة مستقرة تلحظه النفس وتتصوره ويتمكن من ضبطه واستثباته لا يمكنها ان يبتنى عليه ما يحتاج اليه من الاحكام ، وغيره لا ينتفع به من أصحاب البحث الصرف أو أصحاب الأنوار الغير الثابتة . هذا اقلّ الدرجات وأعظمها ان يحصل له الملكة التامة ، وهي آخر المراتب .
قوله « فمن أراد البحث وحده فعليه بطريقة المشائين فإنها حسنة للبحث محكمة » ، لأنها مبنية على أصول وقواعد بعضها ضرورية وبعضها نظرية تثبت بأمور ضرورية ؛ على هذه القواعد فرّعوا الفروع وبسّطوا الأقوال وقرّبوا المطالب وقرّروا المسائل ، فهي لأجل ذلك حسنة محكمة . ( وقوله ) « وليس لنا معه كلام ومباحثة في القواعد الاشراقية » ، لما ذكرنا من اختلاف الأصول وتباين المآخذ والمسالك .
قوله « بل والاشراقيون لا ينتظم أمرهم دون سوانح نورية » ، اى دون لوامع وشوارق نورية عقلية تكون مبنية للأصول الصحيحة ، « فان من هذه القواعد ما يبتنى على هذه الأنوار » بل بعضها يبتنى على ما ابتنى عليه بعضها ، على قواعد أخرى على ما استعمله عند وقوفك على ما في هذا الكتاب ، « حتى لو وقع لهم في الأصول » التي تبتنى عليها هذه العلوم « شك » وشبهة فإنه انما يزول بخلع النفس عن البدن ومعاينة المبادئ العقلية . « فكما شاهدنا المحسوسات وتيقّنا بعض
شرح حكمة الاشراق — صفحة 31
مساهمون: شمس الدين محمد بن محمود الشهرزوري
ص٣١