تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في النفس — صفحة 230

مساهمون:

ص٢٣٠

القوى وتبطل فعلها وتسد مجارى الروح ، ويكون نوم صاحبها شديد الاستغراق ؛ حتى إن هؤلاء لا يكاد يخيل لهم شئ في نومهم ، بل نومهم ( يكون ) شبيها بالموت . والخلط السوداوي يجتمع فيه أنه موافق للنوم ، موافق لفعل هذه القوة . أما موافقته للنوم فمن جهة أن هذا الخلط كثير البحار ويصعد إلى الرأس فيحدث النوم . وأما موافقته لهذه القوة فمن جهة أن هذه القوة لما كانت شديدة الحركة ، دائمة الاضطراب في النوم واليقظة ، متنقلة من حال [ 89 ا ] إلى حال ، كان رداءة فعلها إنما هو في سرعة الحركة والانتقال من حال إلى حال وقلة الاستثبات والاتقان لخيال الشئ الذي تصوره . وكأن جودة فعلها إنما هو في الاستثبات وجودة التصور والاتقان للشئ الذي تصوره . والذي يلائم هذا الفعل إنما هو المزاج البارد اليابس . وذلك أن البرد يوجب بطء الحركة ، واليبس يوجب ثبوت الصورة . ولذلك يوجد سلطان هذه القوة في أصحاب المرّة السوداء ، حتى إنهم يدركون في اليقظة ما يدركون في النوم . وأما هل يكون هذا الإدراك في الأمور الثلاثة ، أعنى الماضية والحاضرة والمستقبلة - وذلك أن المقصود منها بالإنذار إنما هو ما يحدث في المستقبل ، إلا أنه ليس يبعد أن يقع في الماضي والحاضر إذا كان مجهولا عندنا . وأما في أي جنس من أجناس المعلومات يكون هذا الإدراك ، فان المعلومات - كما قيل - إما علوم نظرية ، وإما صنائع عملية ، وإما قوى فكرية جزئية . وهو ظاهر من أمر هذا الإدراك أنما يكون أكثر ذلك في الأمور المستقبلة التي يختص إدراكها بالقوى الفكرية الجزئية [ 89 ب ] التي تستعمل في إدراك النافع والضار في الأمور المستقبلة . وأما الصنائع العملية فقد يظن أنه قد تحصل أشياء منها في النوم ، مثل كثير من الأشياء التي كان أصل العلم بها في الطب إنذارا مناميا . وأما العلوم النظرية فيبعد أن يكون ذلك فيها ؛ ولو كان « 1 » فاما أن يكون باطلا وعبثا - وذلك أن في طباع الإنسان أن يدرك العلوم النظرية بما فطر عليه أولا من المقدمات الأول . فلو كان يدركها دون مقدمات ، لكانت المقدمات الأول فيه عبثا ، كما أنه لو أمكنه السعي دون القدمين لكانت القدمان فيه عبثا

هامش
( 1 ) ص : ذلك فيها ذلك لكان إما .
في النفس — صفحة 230 | أرسطو