طريق آخر في البيان « 1 » : لو انقسم المعنى المعقول بانقسام محله المنقسم إلى غير النهاية إلى أجزاء متشابهة ، لكانت الأجزاء المتشابهة غير متناهية أيضا ؛ فيلزم أن يكون الشيء معقولا مرارا غير متناهية ، لكون كل واحد من تلك الأجزاء لا يخالف الكل بالحقيقة ولوازمها ؛ والتالي باطل فالمقدم مثله . وأمّا إذا انقسم المعنى المعقول بانقسام محلّه إلى جزءين مختلفين فهو محال ؛ لأنّ اختلاف الجزئين لا يكون لنفس القسمة « 2 » الوهمية ، فإنّها لا تجعل الشيء مختلف الأجزاء ، بل اختلافهما إنّما يكون لاختلاف أجزاء المعقولين في نفسهما بسبب العوارض الغريبة ، لأنّا فرضنا المعنى المعقول مجردا عن الزوائد اللاحقة ؛ وحينئذ يكون المعقول منقسما إلى مقوّمين مختلفين ، ثم يقسم كل واحد منهما بحسب إمكان القسمة في الجسم - الذي هو المحل - إلى مقوّمات مختلفة غير متناهية ؛ ويكون لكل مقوّم مقوّم إلى ما لا يتناهى وذلك محال ؛ لتوقّف تعقّل كل واحد من تلك المقوّمات على تعقّل ما لا يتناهى ؛ ولأنّ هذه المقوّمات لها ترتيبات ذاهبة إلى غير النهاية مجتمعة عند التعقل ، وقد برهن على امتناع مثل هذه السلاسل . وهذه القسمة إلى المقوّمات ليست كقسمة الكمية إلى أجزائها ، لأنّ أجزاء الكم قبل الانقسام تكون بالقوة لا بالفعل ؛ وأمّا أجزاء الماهية المقوّمة فلا تكون في الماهية بالقوة أصلا ، بل لا بد وأن تكون تلك الأجزاء فيها بالفعل ، لأنّها إنّما تصير بالفعل إذا صارت أجزاؤها بالفعل ؛ فظهر الفرق بين أجزاء الماهية وأجزاء الكم قبل فرض القسمة فيه بالفعل . ثم إذا انقسمت الماهية إلى معنى جنسي وفصلي ثم قسمناها تارة أخرى في جهة أخرى فتنقسم إلى جنس وفصل آخرين غير الأولين ؛ فيلزم أن تكون للماهية أجناس وفصول مختلفة لا يدخل أحدها تحت الآخر ؛ فلا يكون اختصاص أحد الأجناس أو الفصول بموضوع أولى من اختصاص الآخر بذلك ؛ وإن رجعت القسمة من المقوّمات
رسائل الشجرة الإلهية في علوم الحقائق الربانية — صفحة 459
مساهمون: شمس الدين محمد بن محمود الشهرزوري
ص٤٥٩
هامش
( 1 ) . همان ، صص 536 - 539 ؛ المشارع ، صص 201 - 202 .
( 2 ) . ن : القسمية .