فعلم أنّ المدرك من الأمور الخارجية المباينة لذات المدرك ليس هو نفس الحقائق الخارجية . وأمّا الدليل « 1 » على أنّ الإدراك عبارة عن حصول صورة المدرك في المدرك ، أنّا إذا أدركنا شيئا لم نعلمه قبل ذلك ، وكان غائبا عن حواسّنا ، فإن لم يحصل فينا أثر من ذلك الإدراك ولم ينتف عنّا شيء ، فسيّان ما قبل الإدراك وما بعده وهو محال ؛ وإن انتفى عنّا شيء عند الإدراك فذلك المنفي إمّا أن يكون إدراكا أو صفة غير إدراكية ؛ فإن كان الأول فيكون إدراك الشيء عبارة عن انتفاء إدراك آخر ، فنقصد بالكلام إلى ذلك الإدراك الوجودي الذي هذا انتفاؤه ، فإنّ الأمر العدمي لا يكون انتفاء لما ليس بشيء ، فلا بد وأن ترجع حقيقة الإدراك إلى أنّه أمر ثبوتي ؛ ولأنّ الكلام إنّما هو في الإدراك الواحد المتعلق بالنفس ، وحينئذ ينقطع الكلام . وأمّا إذا كان الإدراك عبارة عن انتفاء صفة عن النفس غير إدراكية ، فيلزم أن يكون في النفس إدراكات لأمور لا تنتهي عند حدّ ، فتكون فيها صفات غير متناهية يبطل كل واحد من تلك الصفات عند قصد النفس إلى إدراك شيء ؛ ثم كيف يكون الإدراك انتفاءا وهو تحصيل ؟ فإنّ كل عاقل يجد من نفسه ، عند إدراكه لشيء ، أنّه قد حصّله لا أنّه [ يخيّله ] « 2 » له ؛ فثبت من هذا أنّه لا بد وأن يحصل فينا شيء وأثر عند الإدراك ؛ فإن لم يكن ذلك مطابقا للمدرك فلا إدراك ؛ وإن كان مطابقا من وجه دون وجه فلا يكون المدرك مدركا كما هو ؛ فبقي أن يكون الأثر الحاصل في المدرك من المدرك مطابقا لذلك المدرك وهو الصورة التي ادّعينا أنّ الإدراك عبارة عن حصول صورة الشيء المدرك في المدرك . وهذا إنّما هو في الإدراكات المتجددة للنفس ؛ فإنّ ما ليس بمتجدد ، كعلم واجب الوجود بذاته ومعلولاته وإدراك العقول والنفوس لذواتها ، ليس بصورة ، وليس له قبل ، ليصح أن يقال فيها سيّان « 3 » ما قبل العلم وبعده ؛ وهذا
رسائل الشجرة الإلهية في علوم الحقائق الربانية — صفحة 445
مساهمون: شمس الدين محمد بن محمود الشهرزوري
ص٤٤٥
هامش
( 1 ) . المشارع ، ص 189 .
( 2 ) . نسخهها : يخلّيه .
( 3 ) . ن : نسيّان .