بجسم ولا حالّ في جسم ولا يستفيد الكمال بماله تعلق بالجسم ، وإلّا فيلزم أن يكون مفتقرا إلى أمر يخرجه إلى الفعل ، ولا بد في الأخير من الانتهاء إلى عقل يكون دائم التعقل بالفعل . وقول بعضهم : إنّ مخرج النفس لا بد وأن يكون عالما لأنّه ، لا يجوز أن يعطي الشيء أمرا لا يكون موجودا فيه ، وهذه الدعوى صحيحة والعلة فاسدة ؛ فإنّ العقل بالاتفاق هو المعطي لجميع الصور والهيئات الجسمانية وللجسم أيضا ؛ فإذا أعطى الحرارة والسواد والحلاوة لا يلزم أن يوصف ذلك العقل بهذه الكيفيات الجسمانية بل الأمور الجسمانية ممتنعة عليه ؛ فثبت وجود العقل الفعّال . البرهان الثاني « 1 » : إنّ القوة الجرمية إذا غاب عنها صورة إمّا أن تبقى محفوظة في قوة أخرى تكون خزانة لها ، تعاودها عند الاحتياج إليها من غير افتقار إلى كسب جديد ، أو تزول عنها وعن خزانتها فتفتقر في استعادتها « 2 » إلى كسب جديد ؛ فالنفس الناطقة قد يعرض لها أن تغيب عنها صورة ثم تستحضرها دون كسب جديد فلها خزانة ؛ ولا يجوز أن تكون تلك الخزانة جرمية ، فإنّ المعقولات لا تحلّ المنقسم ، لما سيأتي ؛ ويمتنع أيضا أن تكون الخزانة جزءها فيكون لها جزءان ، أحد الجزئين يكون متصرّفا والآخر خازنا « 3 » ، فإنّ النفس لا جزء لها ؛ فلها خزانة من الجواهر العقلية هو مكمّلها ومعيدها عند الزوال عنها ، وهو المسمى عند الحكماء ب « العقل الفعّال » ، لأنّه بالفعل من جميع الوجوه ؛ فإذا اتصلت النفس به ، أيّدها وكتب فيها العلوم والمعارف العقلية ، كما جاء في الوحي الإلهي :
« 4 » ، وإذا أعرضت عنه انمحى النفس . ونسبة النفس إليه في إقبالها عليه كنسبة المرآة المقابلة [ للنفس ] « 5 » ، فإذا