الفصل الثاني في تفصيل قوى النفس الناطقة وشرح أحوالها
المشهور من مذهب المشائين أنّ القوى الحيوانية الظاهرة والباطنة مباينة الذوات ؛ لأنّها مبادئ أفعال مختلفة ، فتفصيلها المذكور كان على سبيل التنويع ؛ وانقسام قوى النفس إلى النظرية والعملية ليس كذلك بل هو على سبيل التصنيف ؛ لأنّهما غير متباينين بالذات ، لأنّهما متعلقان بذات واحدة عقلية ؛ فهما شيء واحد لا يختلفان إلّا بالنسبة إلى اعتبارين .
وأمّا على مذهب أهل الحق من المتألّهين ، فقد عرفت أنّ الحواس الظاهرة ليس في آلاتها إلّا استعدادات مختلفة ، وأنّ المدرك للمحسوسات الظاهرة إنّما هو جوهر النفس ؛ وأمّا الحواس الباطنة ليس فيها من القوى المدركة إلّا قوة واحدة وهي المتخيلة ، والباقي أيضا استعدادات مختلفة في آلات مختلفة ، فيكون محل هذه الاستعدادات مباينة لجوهر النفس لا محالة .
وأمّا قوى النفس ، فليس لها تحقّق في نفس الأمر وإنّما النفس يعرض لها باعتبار نظرها إلى ما فوقها - وهو إدراك المعقولات - وإلى ما تحتها - وهو تدبير بدنها - اعتباران يسمّى كل واحد منهما « قوة » ؛ وهما في التحقيق شيء واحد وقوة واحدة ، لا تعدّد فيها ولا تكثّر بوجه من الوجوه .