ذاتي عارية عن ذلك الفعل يكون فعلا أيضا ، لكون الفرض غير المفروض ؛ ثم المفروض وإن كان هو العريّ « 1 » عن ذلك الفعل فهو فعل أيضا . وأجابوا عنه بأنّ المفروض لمّا كان ترك فعل فالفرض أيضا يكون ترك فعل ، وعلى تقدير النزول « 2 » على كونه فعلا فلا يجوز أن يكون وسطا يعرف به الإنسان نفسه ؛ لأنّ كل أحد من الناس إذا أخطر في ذهنه هذا الفرض ، فيجب أن تكون الخطرة عند صاحب الخطرة ، فيكون عالما أنّه هو المخطر ، فيتقدم علمه بذاته على الخطرة ، وصاحب الخطرة إنّما هو ذاتي فذاتي معلومة قبل الخطرة لا بالخطرة ؛ فيمتنع أن تكون الخطرة وسطا ، لتقدم العلم بالوسط على العلم بما هو وسط له ؛ فالإنسان لا يدرك ذاته إلّا بذاته ولا يحتاج في إدراكه لذاته إلى أمر خارج عن ذاته من قوة وفعل وغير ذلك ؛ وبالجملة لا يفتقر في إدراكها لذاته إلى وسط كيف كان . وهذا التطويل يفيد زيادة استبصار ، وتلخيصه المختصر أن نقول : كل إنسان يعلم ثبوته مع غفلته عن جميع أعضائه ، والمعلوم لا بد وأن يكون مغايرا لما ليس بمعلوم فذات الإنسان مغايرة لجميع أعضائه . الوجه الثاني « 3 » في أنّ النفس ليست بجسم ولا حالّة في الأجسام : لو كانت النفس هو البدن أو جزءا منه أو عرضا حالّا فيه ، لوجب أن لا أغفل « 4 » عنها لعدم غفلتي عن ذاتي في جميع الأوقات ، كما مرّ ؛ وأنا فلا أعرف أكثر الأعضاء إلّا بالتشريح ؛ وكثير من الأعضاء لا يخطر ببال الإنسان ، وبعضها يخطر في بعض الأوقات دون وقت ؛ وأنا غير عازب عن ذاتي في حال من الأحوال ؛ ولو قدرت تبدّل إهابي ولحمي وعظمي وما فيه من القوى فإنّه لا يقدح في بقاء ذاتي ولا في شعوري بذاتي ؛ فأنا وراء الجميع فهي الذات التي قيل فيها :
« 5 » وقوله تعالى :
« 6 » و