العلم أشرف من العمل « 1 » ؛ لأنّها فضيلة عقلية ملذّة تشتاق إليه النفس الفاضلة بالطبع ؛ والتذاذها به يشبه لذة الفرحة والنزهة الجامعة للنظر إلى محاسن الأشياء ولطائفها ؛ فاللذة بها تكون أفضل وأعم وأشرف ممّا عداها من الأمور الملذّة . وأمّا العمل ، فليس شيئا مقصودا بالذات ، بل تارة يقصد به إزالة الموانع وظهور الاستعداد المؤدّي إلى انكشاف الحقائق ؛ وتارة يقصد به حصول الهيئات الفاضلة في النفس ؛ وتارة يتوصّل به إلى أسباب تؤدّي إلى كمال النفس . ثمّ إنّ العمل إنّما يحصل من العلم وبسببه . إذا عرفت هذا ، فليس في هذا العلم ما يحصل به الكيمياء ؛ بل فيه ما يبطله ويبعد عنه ويؤيّس الطامعين عن طلبه ؛ فإنّ الأصول الطبيعية دلّت على أنّه لا أصل له ولا حقيقة ؛ وإن كان حصوله بالتوقيف « 2 » - كما قد قيل - فلا حاجة إلى هذا العلم . والحق أنّ هذا الرجل لم يذكر برهانا على امتناعه ولا على إمكانه ؛ فإن كان ممكنا فلا ريب عند العاقل كيفية إعانة العلم الطبيعي في الكيمياء ، لا سيما معرفة الكون والفساد وأنواع الاستحالات الواقعة بين البسائط وتقاسيم الأمزجة وأحوال القوى ومعرفة طبائع الجواهر المعدنية ؛ فإنّ خلاصة علم الإكسير هو معرفة الحل والعقد الحقيقيين واحتياجهما إلى العلم الطبيعي بيّن ظاهر . وأمّا الشيخ الرئيس « 3 » فزعم أنّ أصحاب الحيل يمكن أن يعقدوا بالصناعة الزئبق بالكبريت عقدا محسوسا يشبه ما تصنعه الطبيعة من بعض الوجوه ؛ فإنّ الأحوال الصناعية لا تشبه الطبيعة من جميع الوجوه بل تكون قاصرة عنها غير لاحقة بها وإن بذل الجهد . وليس في أيدي في أصحاب الإكسير
رسائل الشجرة الإلهية في علوم الحقائق الربانية — صفحة 318
مساهمون: شمس الدين محمد بن محمود الشهرزوري
ص٣١٨
هامش
( 1 ) . ن : العلم .
( 2 ) . ب : بالتوفيق ؛ المعتبر ، همان : التوقيف والتجارب .
( 3 ) . الشفاء ، الطبيعيات ، المعادن والآثار ، مقالة 1 ، فصل 5 ، صص 22 - 23 .