ثم حصرهم التأثير والتأثر في الحرارة والبرودة بقولهم : إنّ التغيير إمّا أن يكون بالتحلل والتحليل فيؤلم الحاس فهو الحرارة ؛ وإن كان بالنقيض والتكييف فيؤلم الحاس « 1 » فهو البرودة ؛ ليس بصحيح ؛ فإنّ « 2 » الخصم قد يمنع أن يكون التأثير والتأثر منحصرا في هذين القسمين ويجوز وقوعهما على وجه آخر غير القسمين .
[ العناصر الأربعة وبعض أحوالها وأحكامها ]
وأمّا حصرهم العناصر في أربعة ، فالطريقة القديمة لهم وهي أنّ المركب لا بدّ وأن يكون تركّبه من جسمين كثيف ولطيف ؛ والكثيف ، إمّا أن يكون يابسا منعقدا وهو الأرض ؛ أو يكون سيّالا وهو الماء ؛ وأمّا اللطيف ، إمّا أن تكون حرارته مشتدة تحرق « 3 » ما لاقته وهو النار ؛ أو لا تشتد ولا تحرق وهو الهواء . وهذه الطريقة في إثباتها صعوبة ؛ لأنّه يحتاج إلى بيان أنّ الحار الشديد وهو النار ؛ لا يقوم مقامه ولا يغني عنه حرارة شعاع الشمس والكوكب ؛ وأنّ الحار الشديد إذا اجتمع مع الأرض والماء ، يحتاج إلى متوسط آخر هو الهواء . فإن قالوا بأنّ حرارة الشعاع لا تثبت لعدم ثبوت المادة فلا تصلح لجزئية المركبات وأنّه يحتاج إلى الهواء ؛ لأنّ الحارّ الشديد وهو النار لا يمكن اجتماعه مع البارد الشديد وهو الماء إلّا بتوسط « 4 » الحار المتوسط وهو الهواء ؛ فيناسب النار بالحر ، والماء بالرطوبة ؛ فهذه دعوى تحتاج إلى برهان . ثمّ إنّ هذا حصر للعناصر لا للأركان ؛ واعتبار أحدهما غير اعتبار الآخر . ولقائل أن يقول : لم لا يجوز أن يكون في العالم ركن لا يصلح لأن يتركب عنه غيره ؟