هبطت ، لهو في العالم الأعلى . أمّا الذي حلّ في الإنسان فإنّه يجعله شبيها به على قدر ما كان هذا الإنسان قابلا لذلك التّشبيه بحيث يصبح / في مأمن من كلّ اضطراب ، ما أمكن الأمر ، وبمعزل عن كلّ عمل يستقبحه مالك رقّه . والآن ما هي كلّ فضيلة في حدّ ذاتها في إنسان مثل ذلك الإنسان ؟ إنّ الحكمة والفطنة في مشاهدة ما لدى الروح ، وإنّ ما لدى الروح إنّما يكون بالإدراك المباشر . فلكلّ من هاتين الفضيلتين وضعان : وضع في الروح ، ووضع في النّفس .
وأمّا في الروح فليست كلتاهما فضيلة ، / وأمّا في النّفس فكلتاهما فضيلة . فما عسى أن تكونا في عالم الروح ؟ إنّهما الروح بالفعل وبالذات ؛ أمّا هنا ، في النّفس ، فكلتاهما فضيلة لأنّهما في غيرهما ولأنّهما ناشئتان من هنالك . ليس العدل مثلا فضيلة في حدّ ذاته ، وليست كلّ فضيلة في حدّ ذاتها فضيلة بل إنّها كمثال ؛ والذي يكون منها في النّفس إنما هو الفضيلة ، ذلك لأنّ الفضيلة فضيلة أحدهم أيّا كان ؛ أمّا ما هي الفضيلة ، فإنّما هي في حدّ ذاتها قائمة بذاتها لا فيما هو غيرها . فالعدل مثلا ، إذا كان بأن « يتمّم كلّ جزء الوظيفة » المكلّف بها / ، فهل يقوم على وجود تعدّد في الأجزاء ؟ ألا إنّ ثمّة عدلا في الكثرة ، بالنّسبة إلى ما تعدّدت أجزاؤه ، لكن ثمّة أيضا عدل بتمام المعنى أيضا ، أي تتميم الوظيفة الخاصّة ، يعود إلى ما كان واحدا لا كثرة فيه . إذا في حقيقة أمره ، وفي حدّ ذاته إنّما هو ما كان منضبطا بالوحدة ، وظيفته بالنّسبة إلى ذاته ، فلا معنى هنا لطرف أوّل وطرف آخر . وكذلك يقال فيما يختصّ بالنّفس : فالعدل في معناه الأفضل ، هو أن تعمل النّفس موجّهة وجهها نحو الروح ، والعلّة هي انسحاب الباطن إلى نفسه للوصول إلى الروح ، والشّجاعة هي الثّبات / أمام الانفعالات قصد التّشبّه بالذي يحدّق فيه ، وهو بطبيعته لا ينال انفعال في حين أنّ النّفس تحقق ذلك فيها بواسطة الفضيلة حتى لا تنفعل مرة أخرى بانفعال الدون المقيم معها .
7 إنّ تلك الفضائل إذا يتبع بعضها بعضا بالتّبادل في النّفس ، كالذي يتمّ في الملأ الأعلى ، لمّا كان حاضرا فوقها في الروح ، وهو بمنزلة الأصول لها . فالعرفان هنالك هو علم وحكمة ؛ والعفّة هي انسحاب الروح إلى ذاته ، والعدل انصراف الروح إلى عمله الخاصّ ؛ وبقاؤه مع ذاته على ما هو في ذاته بريئا من كلّ غريب عنه إنّما هو الشّجاعة نوعا ما . / أمّا ما يقابل ذلك في النّفس ، فتوجيه نظرها إلى الروح بالحكمة والفطنة ، وهما من فضائل النّفس ، إذ إنّ النّفس ليست هي فضائلها كما هو الأمر في الروح : ثمّ تلي الفضائل الأخرى على هذا المنوال .
فبواسطة التّطهير ، تأتي النّفس على الفضائل كلّها ، إذ إنّها كلها تطهيرات وكلّها تقوم على حال الطّهارة التامّة ، وإلّا فلن يتمّ الكمال لفضيلة قطّ . هذا وإنّ الذي توافرت له / الفضائل العليا ، توافر له حتما وضمنا ما كان منها في المقام الأدنى ، أمّا الذي لم يتمّ له إلّا ما في الدون
تاسوعات أفلوطين — صفحة 64
مساهمون: أفلوطين
ص٦٤