المشترك الذي بمقتضاه تكون كلّها فضائل . إنّ الفضائل المدنيّة إذا ، تلك التي تكلّمنا عنها ، تسوّي أوضاعنا حقّا وتزيدنا فضلا ، إذ إنّها تضع حدّا / ومقياسا للرغبات بخاصّة وللانفعالات بوجه عام ، وتدفع الظّنون الكاذبة ، لأنّها ، على كلّ حال ، في جانب الأفضل ، ولأنّها خالية من الفوضى والاضطراب وقائمة بالتّوازن . ثمّ إنّ تلك الفضائل ذاتها ، على كونها منضبطة من حيث إنّها أقيسة من النّفس التي تصبح منها بمثابة الهيولى ، تشبّه بالقياس الذي هنالك ، وهي تنطوي على آثار الخير المستقرّ في العالم الأعلى . ذلك لأنّ الخالي من كلّ / قياس ليس له من المحاكاة نصيب من حيث إنّه هيولى ؛ على أنّه إذا ما أصاب قدرا من الصورة تمّ له ، وفي حدود ذلك فقط ، التّشبّه بالذي في العالم الأعلى والذي لا صورة له ؛ مع العلم أنّ كلّ ما كان قريبا منه ، ازداد من الصورة نصيبا . وما دامت النّفس أقرب إليه من الجسد ، وأشدّ مجانسة له ، فإنّ استعدادها منه يكون أوفر حظّا بحيث تبدو أنّها إله . وينتهي بها الغرور إلى التّوهّم بأنّها هي عين اللاهوت . / هذا هو نوع التّشبّه بالله عند الذين حصلت فيهم الفضائل المدنيّة .
3 لكنّ أفلاطون حين يشير إلى أنّ التّشبّه من نوع آخر ، يجعله متعلّقا بالفضيلة العليا ، فلا بدّ من البحث في هذا النّوع ؛ وبذلك تزداد حقيقة الفضيلة المدنيّة وضوحا ، وتتّضح أيضا تلك الفضيلة العظمى من حيث حقيقتها ، ونتبيّن على كلّ حال ، أنّ - إلى جانب الفضيلة المدنيّة - فضيلة أخرى . فإنّ الذي ورد حقّا عند أفلاطون هو أنّ التّشبّه / بالإله فرار من الدّنيا ، وأنّه لا يعتبر الفضائل التي تتحقّق في « الجمهوريّة » فضائل فقط ، بل يضيف أنّها « مدنيّة » . ثمّ إنّه في مكان آخر يذكر الفضائل على أنّها « تطهيرات » . فواضح إذا أنّ الفضائل عنده نوعان ، وأنّه لا يجعل التّشبّه عن طريق الفضيلة المدنيّة .
هذا وبأيّ معنى نقول إذا إنّ / الفضائل تطهيرات ، وإنّ التّشبّه يتمّ فينا بخاصّة بعد التّطهير ؟ بمعنى أنّ النّفس شرّيرة ما دامت « ممتزجة » مع الجسد فيكون انفعاله انفعالها ، وظنونه ظنونها أبدا ، وهي صالحة فاضلة ما دامت لا تشاركه في الظّنّ بل تنفرد بأعمالها ( وهذا هو العرفان والتّفطّن ) ، ولا تنفعل بانفعاله ( وهذه هي العفّة ) ولا ينالها خوف عند انفصالها عن الجسد ( وهذه هي الشّجاعة ) ، ويتمّ فيها الانقياد للعقل والروح ، ولا / يقاومان ( وهذا هو العدل ) . ولسنا نخطئ إذا عندما نحكم بأنّ التّشبّه بالإله هو وضع النّفس ذلك الموضع ، الذي بمقتضاه تدرك بالروح ولا ينالها انفعال ؛ لأنّ الأمر الإلهيّ طاهر وطاهر فعله ، بحيث إن من يتمثّل به يكون صاحب فطنة . ولكن لما ذا لا يكون الأمر الإلهي هو أيضا على ذلك الوضع ؟ / إنّه ليس صاحب أحوال ، بل الأحوال لوازم النّفس . لا بل إن العرفان في النّفس على خلاف ما هو هنالك : فإنّ ما هنالك لا يعرف بعضه على نحو ما
تاسوعات أفلوطين — صفحة 61
مساهمون: أفلوطين
ص٦١