منه . أمّا ما هي تلك الاستدلالات فهذا أمر نأتي على ذكره فيما بعد . /
2 وقد يصير الموسيقار عاشقا ، فإمّا أن يبقى بعد هذا التحوّل عند هذا الحدّ وإمّا أن يتجاوزه . أمّا العاشق ، فأقول إنّ فيه بعض الذّكر من الجمال ، لكنّه لا يقوى على إدراك الجمال المتعالي ، بل يؤخذ بجمال المبصرات فيتأثّر به . فيجب أن يروّض على الّا يقف عند جسد واحد فيسحر به ، / بل يعلّم أن يشمل باعتباره الأجساد كلّها ، فيطّلع على ما يبقى هو هو في تلك الأجساد جميعها ، وهو أمر يختلف عن الأجساد ، ومن عالم غير عالمها ، وهو أفضل وضعا ومقاما في الأمور غير الجسديّة ؛ ثمّ يكشف له شيء عن الأعمال الجليلة « والقوانين » السامية ، فيكون قد تعوّد بذلك أن يرى محبوبه في اللاجسديّات ؛ ويلقّن أخيرا أنّ الحسن إنّما يكون في الفنون وفي / « العلوم » وفي الفضائل . ويؤلّف بعد ذلك بين كلّ تلك الأمور ، بحيث تصبح أمرا واحدا ويعلّم العاشق كيف تتمّ عند الإنسان . عند ذلك يرتقي المرء من الفضائل إلى الروح ، وإلى الأيس ، ثمّ يؤخذ هنالك في السّير على الطّريق العليا .
3 أمّا الذي فطر على التّفلسف ، فهو على حال التّأهّب وكأنّه مجنّح ؛ فليس في حاجة إلى التّجرّد عن العالم المحسوس مثل الذين ذكرنا ؛ إنّه في تحرّك نحو العالم الأعلى ، وإذا ما حار اهتدى بالإشارة ليس أكثر . فالوجه إذا أن يهدى ، ثمّ يترك على الرّغبة التي فطر عليها بعد أن سبق وتمّ له الانعتاق من قيود الحواسّ / . وليلقّن الرّياضيّات ليتعوّد على إدراك اللاجسديّ والتصديق به ، وسرعان ما سوف يستوعب ذلك حبّا به للعلم . ولمّا كان مفطورا على الفضيلة ، وجب أن يساق إلى كمال الفضائل . ثمّ بعد تلقينه الرّياضيّات ، يعلّم أدلّة الجدل ويروّض على أن يكون مجادلا .
4 ولكن ما هو هذا الجدل الذي يجب أن يلقّنه هكذا الموسيقار والعاشق ؟ هو ملكة قادرة على أن تعبّر بالعقل عن كلّ شيء : ما هو ، وبم يختلف عن غيره ، وبما ذا يشارك غيره . بالجدل تصنّف الأمور ، وتحدّد لكلّ أمر رتبته في ذلك التّصنيف ، وبه يعرف إذا كان الشّيء في الأعيان حقّا ، وما هو عدد الأيسات من صنف ما ، والأيسات التي لا تدخل في ذلك الصّنف بل هي / من صنف آخر . ثمّ إنّه يتناول الخير وضدّه ، ما يحصى مع الخير وما يحصى ضدّه ، ويحدّد ما هو الأبديّ وما اللاأبديّ ؛ وواضح أنّه يتقيّد في كلّ ذلك بالعلم لا بالظّنّ . إنّ الجدل يضع حدّا للتّخبّط في عالم المحسوس ، فيقيم في عالم الروحانيّ ويستقرّ هنالك في عمله ، / فيدفع الكذب ، ويغذّي النّفس « في مراعي الحقّ » كما قيل ؛ ثمّ يستخدم التّقسيم الأفلاطونيّ للتّمييز
تاسوعات أفلوطين — صفحة 67
مساهمون: أفلوطين
ص٦٧