تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 63

مساهمون:

ص٦٣
هو الإله الذي توحّد بيننا وبينه . وهذا يعني قبل كلّ شيء البحث في أمر الغضب والرّغبة وما سواهما ، وفي أمر الغمّة وما إليها ، وفي انفصال النّفس عن الجسد ، إلى أيّ حدّ يكون ممكنا . أمّا انفصالها عن الجسد ، / فربّما كان بأن يتجمّع بعضها إلى بعض وتكون منسحبة مع كلّ بعض من أبعاضها ممّا كان نوعا ما حيّزا له ، فتصبح بريئة حقّا من كلّ انفعال . أمّا اللّذات فتجعل عمل الضّرورية منها بمنزلة عمل الإحساسات لمعالجة المشاقّ وتحقيقها حق لا تتعثّر في سيرها . وأمّا الأوجاع فإنّها تهملها ، وإذا لم تستطع إلى الأمر سبيلا / احتملتها مطمئنّة ، وجعلتها يسيرة بعدم انسياقها معها ؛ وأمّا الانفعال العنيف فإنّها تدفعه عنها ما أمكنها الأمر ، فإذا استطاعت ردّته ردّا مطلقا ، وإلّا أمسكت عن الانقياد إليه فأصبح من لوازم الجسد العفويّة ، على أن يأتي هذا العفويّ نادرا ضعيفا . وأمّا الخوف فلا أثر له عندها / ( فما من شيء تخاف منه ، على أنّه لا مناص من اندفاع عفويّ هنا أيضا ) إلّا إذا كان ليردّها إلى رشدها . والشّهوة ما القول فيها ؟ إنّها أولا تشتهي شيئا قبيحا ، وهذا أمر واضح . ثمّ إنّها ليس في ذاتها هي شهوة جامحة إلى الأكل والشّرب ، ولا إلى لذّة الجماع إلّا ، فيما أرى ، بقدر ما تقتضيه الطّبيعة ؛ ولا تكون بالاندفاع الغريزيّ الأعمى ؛ / وإن وجد منه شيء لم يكن أكثر ممّا يقع في تصوّرات الخيال ، على أنّها هي أيضا تحدث ، هذه الأخيرة ، بدون تروّ . فإنّ النّفس في حدّ ذاتها بريئة تماما من كلّ تلك الأهواء . بيد أنّها ترغب في أن تجعل الجانب اللاعقليّ منها طاهرا هو أيضا ، بحيث لا يناله اضطراب ؛ وإذا حدث ذلك لم يحدث بعنف ، بل تكون الصّدمات قليلة سريعة المعالجة ، بسبب وقوعها في جوار الروح . فمثل جانب النّفس اللاعقلي مثل امرئ مقيم في / جوار حكيم : فإمّا أن تكون فائدته من هذا الجوار أن يصبح مثل ذلك الرّجل الصالح ، وإمّا أن تكون استحياء منه فلا يجرؤ على عمل لا يحبّه . لا سبيل إلى الخصام إذا بعد ذلك . فإنّ العقل حاضر وحسبنا هذا ، فيحترمه الجزء الأسفل من النّفس ، بحيث إنّ هذا الجزء ذاته يستاء من ذاته إذا ما حدث فيه اضطراب ولم يلتزم الطّمأنينة في حضور مالك رقّه ، فلا يلوم إلّا / ذاته على تخاذله . 6 ونتيجة كلّ ذلك هي أنّ أمرا من تلك الأمور التي سبق ذكرها لم يعد للإنسان ذنبا بل تصحيحا لما في إنسانيّته من غلط وتحريف . ولكن ليست غايته من جهوده أن يتبرّأ من الإثم بل أن يصبح إلها . وما دام يحدث شيء من تلك العفويّات فإن الإنسان لا يزال أمرا إلهيّا وأمرا جنّيا ، فهو ذو وجهين ؛ أو بالأحرى لا يزال فيه مع ذاته أمر آخر / له فضيلة غير فضيلته . أمّا إن لم يكن فيه شيء من ذلك كلّه ، فهو ربّ فقط ، أحد هؤلاء الأرباب الذين يتبعون الأوّل . إنّه بذاته هو الذي هبط من العالم الأعلى ، وإنّ ما تقتضيه تلك الذات ، إذا عادت إلى ما كانت عليه عندما