تكن من جنس فضائلنا . وإذا سلّمنا بعد ذلك أنّ التّشبّه ممكن ، ولو في فضائل تختلف في ذات اللّه عنها في ذواتنا ، فلا شيء يمنع أن نتشبّه تبعا لفضائلنا الخاصّة بالذات ، بمن ليس فيه فضيلة ، ولو لم يكن ذلك التشبه ليتمّ بواسطة / الفضائل المدنية . أمّا كيف يكون ذلك ، فعلى النّحو التالي : إذا ما صار شيء حارّا لوجود الحرارة ، وجب أن يحمى ما منه تنبعث الحرارة ، وإذا ما صار شيء حارّا لوجود النار ، فهل يجب أن تحمّى النار نفسها بوجود نار أخرى ؟
وقد يعترض مع ذلك على التّشبيه الأوّل فيقال / : صحيح أنّ في النار حرارة ، ولكنّها فطريّة ؛ فيخرج التّعليل ، إذا التزم القياس ، إلى أنّ الفضيلة في النّفس إنّما هي أمر مكتسب ، ولكنّها فطريّة فيما تحاكيه النّفس وتقتبس عنه . أمّا في الدّليل المتّخذ من النار فيقال : إنّ ما ينتج عنه هو أنّ ذلك الأمر هو الفضيلة بالذات ، كما أنّ النار هي الحرارة . على أنّا افترضناه في مقام أعلى من مقام الفضيلة . / فلو كانت الفضيلة التي تحصّلها النّفس بالمشاركة هي ذات الأمر الذي أخذت النّفس منه الفضيلة لكان الاعتراض هنا هو الصّواب ؛ ولكنّ الفضيلة شيء والذي تؤخذ منه الفضيلة - وهو أصل النّفس - شيء آخر . فليس البيت الذي يدرك بالحس هو هو الذي في ذهن المهندس ، ولو كان الأوّل قائما على التّشبّه بالثاني . فإنّ في البيت المحسوس شيئا من التّناسق والتّرتيب ، وليس في التّصميم الذّهنيّ تناسق ولا ترتيب ولا تناظر . / وهكذا - من هنالك - يصلنا التّناسق والتّرتيب والتّساوي ، وبكلّ ذلك تقوم الفضيلة هنا ؛ لكن متى استغنى عن التّساوي والتّرتيب والتّناسق ، فلا حاجة إلى الفضيلة أيضا ، ولا بدّ لنا ، مع ذلك ، من حضور الفضيلة فينا حتى يتمّ لنا التّشبّه . وعلى هذا المعنى بالذات ، / ليس ضروريّا أن يكون هنالك فضيلة بسبب أنّ « التّشبّه » يتحقّق فينا بواسطة الفضيلة ، هذا ولا بدّ لنا من أن نقنع العقل بما ذكرنا ولا نفرضه عليه فرضا .
2 فلنعتبر أوّلا الفضائل التي بحسبها يتمّ التّشبّه ، كما قلنا ، حتى نتبيّن ذلك الأمر الواحد الذي يكون عندنا مثالا وهو الفضيلة - والذي يكون هنالك أصلا مثالا يحاكى وهو غير الفضيلة . هذا وإنّا نعلم أنّ التّشبّه يكون على وجهين : الأوّل يفترض وجود معنى واحد بين المتشابهين ، فهما متشابهان بالتّبادل لأنّهما يستمدّان تشابههما / من أصل واحد ؛ والثاني يشبه أحد الطّرفين فيه الطّرف الآخر ، على أن يكون هذا الآخر هو الرّكن الأصل ولا يقال عنه أنّه يشبه الأوّل بالتّبادل ؛ فلا يفترض وجود معنى واحد بين المتشابهين ، بل بالأحرى وجود معنى في أحدهما يختلف عنه في الآخر ، إذ أنّ التّشبّه تمّ هنا على مقتضى الوجه الثاني .
والآن ما / هي الفضيلة ، وأعني الفضيلة بوجه عامّ ، وكلّ فضيلة بحدّ ذاتها ؟ ولعلّ الكلام كان أوضح لو قصرناه على كلّ فضيلة على حدة ، فيسهل علينا حينئذ تبيّن الأمر
تاسوعات أفلوطين — صفحة 60
مساهمون: أفلوطين
ص٦٠