تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 58

مساهمون:

ص٥٨
يراها صافية » / . ويجب أن يدقّق النّظر في « حبّها للحكمة » ، وفي الأمور التي اتّصل بها ذلك الحب ، وفي ما أصبحت « مجانسة له » حتى غدت عليه . فالنّفس الحيّة وطاقاتها شيء ، والذي يعاقب شيء آخر . والاعتزال مثل الانفصال ليس انسحابا عن الجسد فقط ، بل إنّه أيضا تجرّد من كلّ ما التحق بالنّفس وليس منها . هذا والذي يلتحق بها إنّما يكون في مستوى الصّيرورة ؛ أو بالأحرى إنّ / الصّيرورة في بنيتها إنّما هي من عالم تلك النّفس التي هي من نوع آخر ، على ما وضعنا . وقد مرّ بنا كيف تتم تلك الصّيرورة ، فإنّ النّفس تسير سفلا ، فيحدث عنها ، إذ تنعطف نحو العالم الأدنى ، شيء آخر ، يسير هو أيضا إلى أسفل . فهل تكون النّفس قد أفلتت ارتسامها فهبط ؟ والانعطاف كيف لا يكون ذنبا ؟ لكن إذا / كان الانعطاف إشراقا على ما تحت ، فليس ذنبا ، كما أنّ الإظلال ليس ذنبا ؛ بل المذنب هو المشرق عليه . فإنّه لو لم يكن ، لما كان للنّفس شيء تشرق عليه ، فسير النّفس هبوطا وانعطافها إنّما يقالان بمعنى أنّ المشرق عليه يحيا معها وبها . فإنّها ترخي ارتسامها ، إذا لم يكن في قربها ما هو قابل له ، وإنّها لترخيه لا بمعنى أنّه ينفصل عنها ، بل بمعنى أنّه قد انعدم ، / وقد انعدم ما دامت هي منصرفة بكاملها إلى مشاهدة ما هنالك . هذا على أنّ الشاعر هوميروس ، فيما يبدو ، يسلّم بانفصال الارتسام عن النّفس إذ يجعل شبح البطل هرقلس في منزل الأموات ، ونفسه هو في عالم الآلهة ، فيثبت الأمرين معا : أي إن هرقلس في عالم الآلهة وفي منزل الأموات في آن واحد ؛ فكأنّه يقسمه إلى شطرين . وقد يكون هذا القول محتملا على التّأويل التالي : كان هرقلس متحلّيا / بالفضائل العمليّة ، فجعله حسن بلائه أهلا لأن يصير إلها ؛ ولكنّه كان منصرفا إلى العمل لا إلى المشاهدة ، حتى يحلّ بكامله هنالك ؛ فهو في العالم الأعلى ، ولكنّه أيضا ببعض ما هو العالم السّفليّ . 13 والآن ما هو موضوع بحثنا في كلّ ذلك : « نحن » أم « النّفس » ؟ - نحن ، ولكن بواسطة النّفس . - وما معنى « بواسطة النّفس » أكان بحث الباحث لحصول النّفس فيه ؟ - كلّا ، بل لأنّه هو النّفس . - ألا تصبح النّفس بذلك خاضعة للحركة ؟ / - الواقع أنّه لا بدّ من التّسليم بأنّ لها حركة ، ولكنّها غير حركة الأجساد . وتلك الحركة هي حياة النّفس بالذات . وبهذا المعنى كان العرفان عرفاننا نحن ، لأنّ النّفس أمر روحانيّ ، ولأنّ العرفان هو حياتها الفضلى . وعندما تدرك النّفس بالروح ، وعندما يؤثّر الروح فينا : فإنّ الروح ، في آن واحد ، هو روحنا وهو أمر علويّ فوقنا نسمو إليه .