كونها واحدة في ذاتها ، ولا تتوحّد في ذاتها توحّدا تامّا عندما تدرك بالعلم شيئا . فالعلم عقل / والعقل ذو كثرة . فتفعل النّفس على الواحد وتقع في العدد والكثرة . ينبغي للنّفس إذا أن تتجاوز العلم إلى ما فوقه والّا تخرج قطّ من كونها واحدة ؛ يجب أن تبتعد من العلم والمعلومات ومن كلّ شيء آخر حتّى من الحسن فلا تشاهده . كلّ حسن إنّما كان عن ذلك الأمر متأخّرا ومنبعثا / مثلما ينبعث من الشّمس نور النّهار . ولذلك يقول أفلاطون فيه إنّه لا يدلّ عليه « بالقول أو بالكتابة » . ولكنّا نقول ونكتب لنبعث إليه ونحوّل الانتباه من المعاني إلى المشاهدة ، فكأنما ندلّ على الطّريق إليه من أراد أن يشاهد شيئا . إنّما غرض العلم معرفة الطّريق والسّير فيها ؛ / أمّا المشاهدة فهي عمل من يبتغيها بذاته . ولكن ربّما لم نقبل على المشاهدة ولم تدرك النّفس للبهاء الروحانيّ معنى ، فلم تشعر وتحتفظ في ذاتها بما هو كأنّه حال العاشق عندما يرى معشوقه الذي فيه يرتاح إذا رآه . فنتلقّى النور حقّا عند ذاك وننشره على نفسنا كلّها / لأنّا نكون قد ازددنا من الواحد قربا . ولكنّ أوزارا كانت تثقلنا في ارتقائنا وتعوقنا عن المشاهدة . فما كنّا وحدنا مرتقين ، بل كنّا نحمل في جنباتنا ما يقع بيننا وبين الواحد حائلا أو ارتقينا ولمّا نكن في الوحدة متنسّقين . ليس الواحد عن شيء ببعيد ، وهو عن كلّ شيء بعيد . / فهو حاضر وهو غائب إلّا لدى من يسعهم أن يتلقّوه وقد تهيّئوا بحيث أصبحوا على نسقه . فكأنّهم اتّصلوا به ولمسوه بالمحاكاة التي بينهم وبينه ، وبالقوّة المستقرّة فيهم والتي تجانس تلك التي منه انبعثت . حتّى إذا أصبحت هذه القوّة في الحال التي كانت عليها عندما انبعثت من الواحد ، صار بوسعهم أن يشاهدوه على نحو ما ينبغي أن يشاهد . وما لم ننته إلى هذا المستوى ، / بل بقينا في الخارج بسبب ما ذكرنا أو لحاجة إلى الشّرح الهادي الذي يتيح لنا اليقين ممّا يتعلّق بالواحد ، فلتلق التّهم علينا . ولنحاول بعد ذلك ، أن نقلع عن الأشياء كلّها ونبقى وحدنا مع ذواتنا . أمّا إن لم نكن لنقتنع بما ورد في ما سبق الكلام وتخلّفنا عن الارتقاء ، فلنتدبّر بتفكيرنا ما يلي . /
5 كلّ من يرى أنّ الحقائق مسيّرة بالاتّفاق والعفويّة وأنّ أسبابا جسمانيّة تمسك بها يكون أبعد عن أن يفقه للرّبّ ولصورة الواحد معنى . فلا يتوجّه إليه كلامنا بل إلى من يسلّم بوجود حقيقة غير الأجسام ويعود إلى النّفس مرتقيا . لكنّه ينبغي له / أن يفهم حقيقة النّفس على وجهها الصّحيح ، ولا سيّما أنّها من الروح أتت وأنّها بالفضيلة عامرة للعقل الذي أصابته بالاشتراك والذي كان هو أيضا من الروح منبعثا . وينبغي لنا أيضا أن نتصوّر الأفكار قائمة وهي كأنّها في انفصال وتحرّك . كما أنّ العلوم هي معان في النّفس / تظهر على ما هي عليه واقعة في النّفس إذ حلّ الروح فيها وهي للعلوم سببها . حتّى إذا رأيناه كالشّيء محسوسا لأنّه مدرك وهو مشرف
تاسوعات أفلوطين — صفحة 693
مساهمون: أفلوطين
ص٦٩٣