تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 55

مساهمون:

ص٥٥
يقال ذلك لأنّا لسنا مفصولين عن ذلك الحيوان ، وما دامت لدينا أمور أخرى أيضا أرفع قدرا ، هي من ذات الإنسان الشاملة القائمة بعناصر عديدة . والواقع أنّ قوّة الإحساس في النّفس لا تدرك الأمور الحسّيّة ، بل تتناول / بالأحرى الانطباعات التي تحدث في الحيوان بوساطة الإحساس : فإنّ تلك الانطباعات إنّما هي روحانيّة . فالإحساس الوارد من الخارج إنما هو انعكاس لما يتمّ في النفس ؛ والذي يتمّ في النّفس أقرب إلى الحقيقة من الاحساس ، إذ إنّه مجرّد مشاهدة للمثل ، خالية من كلّ انفعال . وعن تلك المثل التي تكفل للنّفس الانفراد بتدبير أمور الحيوان / تنشأ الأفكار والظّنون والعوارف ؛ وهنا نكون « نحن » حقّا وصدقا . إنّ ما قبل ذلك هو عندنا « الما لدى » ؛ أمّا ما كان بنا من ذلك الحدّ إلى ما عل ، فهو « نحن » من حيث نشرف على الحيوان ونوجهه . ولا مانع من أن يطلق اسم الحيوان على الكلّ ، فيشمل المزيج الذي في الدون منه ، ثمّ ما يلي فوق ذلك ، وهو الإنسان الحقّ . أمّا الدون فهو / من السّباع والبهائم ، على اختلاف أصنافها . ولمّا كان الإنسان في مستوى النّفس الناطقة ، فإنّا ، عندما نفكّر بالعقل ، إنّما نحن الذين نفكّر بالعقل ، وذلك بكوننا نفكّر بالعقل فعلا من أفعال النّفس . 8 والروح كيف نكون معه ؟ ولست أعني بالروح تلك الملكة التي تحصل في النّفس ، وهي من الأمور المنبعثة من الروح ، بل الروح ذاته . فإنّ لدينا أيضا الروح ذاته فوقنا « نحن » . ذلك بأنّه لدينا : إمّا أمرا مشتركا بين الجميع ، أو أمرا خاصّا بكلّ منّا ، أو أمرا مشتركا وخاصّا معا : أمّا كونه مشتركا فلأنّه ليس قابلا للتّقسيم ولأنه واحد وهو هو أبدا في كلّ ناحية ؛ وأمّا كونه خاصّا / فلأنّه يحصل بكامله في كلّ منّا في نفسه الأولى . فإنّ المثل لدينا على وجهين أيضا : ما في النّفس وكأنّها منبسطة ، متمايزة ؛ وفي الروح كلّها جميعا . واللّه كيف ندركه ؟ على أنّه متعال فوق الطّبيعة الروحانيّة والذات الحقّة ؛ أمّا « نحن » فإنّا نقع في المرتبة الثالثة بعد اللّه / ، على أنّا ، فيما يقول أفلاطون ، من « الذات اللامقسّمة » التي تأتي من العالم الأعلى ، ومن الذات « المقسّمة في الأجساد » . ووجه التّأويل في قوله « المقسّمة بين الأجساد » هو أنّ النّفس تتوزّع على أبعاد الجسد ، بقدر عظم كلّ حيوان ، بحيث يكون العالم الكلّيّ نفسا واحدة . / وأيضا : نتصوّر النّفس حاضرة في الأجساد بمعنى أنّها تنيرها ، فلا تحدث الحيوان بأن تجمع بينها وبين الجسد ، بل بأن تبقى على ما هي ، وترسل من ذاتها ارتسامات على نحو ارتسامات الوجه في مرايا عديدة . فارتسامها الأوّل هو الإحساس ، الذي يكون في المركّب ؛ ثمّ من الإحساس يشتقّ كلّ ما كان سواه ويسمّى هيئة النّفس ، فتشتقّ الهيئة عن الهيئة وهكذا حتى ينتهي / الأمر إلى النّفس المولّدة والنّفس النّباتيّة ، ثمّ بوجه عامّ إلى القوّة على صنع وإحداث شيء يختلف عن صاحب القوّة ، حيث يرتدّ حينئذ الأصل الذي يصنع
تاسوعات أفلوطين — صفحة 55 | أفلوطين