قد نحكم بأنّنا محتقرون ولا نشعر بالغضب ، وقد نتبيّن خيرا دون أن تتحرّك عندنا الرّغبة فيه .
كيف تكون إذا تلك الانفعالات مشتركة بين النّفس والجسد ؟ / ألأن الشّوق يصدر عن ملكة الشّوق ، والغضب عن ملكة الغضب ، وبوجه عامّ كلّ نزعة إلى شيء ما عن غريزة الشّهوة في النّفس ؟ فإذا كان الأمر كذلك ، ما عادت الانفعالات مشتركة ، بل تردّ إلى النّفس وحدها .
ومع ذلك فإنّها من الجسد أيضا ، إذ لا بدّ من غليان في الدم والصّفراء ، / ولا بدّ للجسد من أن يكون في وضع خاصّ نوعا ما ، حتى تتحرّك نزعاتنا ، كما هو الأمر في شهوة الجماع مثلا . بيد أنّ الميل إلى الخير ليس انفعالا مشتركا ، بل انفعال النّفس ، وهكذا القول في غيره من الانفعالات ؛ بل ربّ استدلال أفضى بنا إلى أنها لا ترتد كلها إلى المركّب . وأخيرا ، إذا أحسّ الرّجل بشهوة الجماع ، فإنّ الرّجل هو الذي يشتهي ، ولكن من وجه آخر ، إنّ ملكة الشّهوة / فيه هي التي تشتهي . كيف ذلك ؟ أبمعنى أنّ الرّجل هو الذي يبادر فيشتهي ، ثمّ تتبع ملكة الشّهوة ؟ ولكن كيف يشتهي الرّجل ما لم تتحرّك عنده ملكة الشّهوة ؟ فهي التي تبادر إذا ؛ ولكن أنّى لها أن تبادر ، ما لم يجعل الجسد أوّلا في الوضع / الملائم .
6 لعلّ خير القول في الأمر هو أنّ من توافرت فيه تلك القوى عمل بموجبها ؛ فلا تتحرّك هي ، إنّما تمدّ الذي جعلت فيه بالقوّة اللازمة . وإذا كان ذلك كذلك ، فالوجه ، عندما ينفعل الحيوان ، أن يبقى مصدر الحياة في المركّب بدون انفعال ، / وترتدّ الانفعالات والأفعال إلى صاحب الحياة . هذا وإنّ الحياة ليست حياة النّفس ، بل إنّها حياة المركّب ؛ أو فلنقل : ليست حياة النّفس هي حياة المركّب . فإنّ الذي يحسّ ليس قوّة الإحساس ، بل صاحب تلك القوّة .
ولكن إذا / كان الإحساس ( وهو حركة تسير في الجسد وتجتازه ) لينتهي إلى النّفس ، فكيف يقال إنّ النّفس لا تحسّ ؟ ذلك لأنّ قوّة الإحساس حاضرة وبفضل حضورها يتمّ الإحساس . فما الذي يحسّ إذا ؟ - المركّب .
وما دامت قوّة الإحساس / لم تحرّك ، فكيف يبقى للمركّب حساب مع أنّه لا حساب للنّفس ولا لقوّتها حساب ؟
7 ذلك لأنّ قوام المركّب ليس بأن تعطي النّفس ذاتها للمركّب أو لأحد طرفيه على ما هي ، عند حضورها ، بل بأن تحدث أمرا ثالثا من الجسد وهو بما يكون عليه ومن شيء آخر هو كالنور المنبعث منها ، فيكون ذلك الثالث طبيعة الحيوان ، وإلى هذه الطّبيعة يرتدّ الإحساس وترتدّ الانفعالات / التي تنسب إلى الحيوان .
ولكن كيف يقال إنّا « نحن » الذين نحسّ ؟
تاسوعات أفلوطين — صفحة 54
مساهمون: أفلوطين
ص٥٤