إذ يمدّ بالحياة ، وتفسد النّفس إذا أشركت في الموت والغباوة . فكيف تضاف قوّة الإحساس إلى ما كان ، على نحو ما ، محروما عن الحياة ؟ أمّا / الجسد الذي يمدّ حينذاك بالحياة فإنّه يشرك في الإحساس وفي الانفعالات التي تنشأ عن الإحساس : فهو الذي يرغب ، إذ إنّه هو الذي يتمتّع بما يرغب فيه ؛ وهو الذي يخاف ، إذ إنّه هو الذي يحرم اللذّة ، ويعتريه الفساد .
ولنواصل بحثنا هكذا في كيفيّة / الامتزاج ، فلعلّ الأمر مستحيل كاستحالة مزج خطّ باللّون الأبيض ، أي مثل مزج طبيعة بطبيعة تختلف عنها . وإذا قلنا بالتّواشج ، فإنّ التّواشج لا يلد التّبادل في الانفعال ، بل قد يكون تواشج بدون تفاعل : فربّما انتشرت في الجسد كلّه بدون أن تنفعل بانفعالاته / كما هو شأن النور ، لا سيّما إذا اعتبر التّواشج الذي نحن بصدده على معنى أنّ النّفس تجتاز الجسد من طرف إلى طرف . إنّ النّفس لا تنفعل إذا بانفعالات الجسد ، بسبب أنّها تواشجت معه ، بل الوجه أن تكون في الجسد ، كما أنّ الصورة في الهيولى . فإنّ أوّل ما يقال فيها حينذاك هو أنّها صورة مفارقة ، إذ إنّها جوهر قائم في ذاته ، والأصحّ أن تعتبر في منزلة الأصل المسخّر . فإذا كانت في منزلة هيئة الحديد في الفأس / ، فالفأس حديدا وهيئة يعمل ما يعمل الحديد بعد صوغه هكذا بتلك الهيئة وبحسب تلك الهيئة . والأحرى بنا عند ذاك أن تنسب إلى الجسد الانفعالات المشتركة بينه وبين النّفس ، على أن نعني ذلك الجسد الطّبيعي القائم بجهاز عضويّ ، المهيّأ لقبول الحياة . فإنّ أرسطو يقول : « كما أنّ من الحمق / أن ندّعي أنّ النّفس تحيك ، كذلك من الحمق أيضا أن نتصوّرها تشتاق وتتألّم . وإنّما يفعل ذلك الحيوان » .
5 أمّا الحيوان ، فإمّا أن يكون الجسد وهو كذلك ، وإمّا أن يكون جملة النّفس والجسد ، أو إنّه شيء ثالث نشأ عن الاثنين . ومهما يكن الأمر ، فمن الواجب أن تبقى النّفس إمّا غير منفعلة مع أنّها سبب الانفعال في الجسد ، وإمّا منفعلة معه أيضا . وإذا انفعلت ، فبانفعال الجسد ذاته أو بانفعال من جنسه / ، كيف ينفعل مثلا ، وكيف يتألّم ؟ كأن يقابل مثلا الرّغبة عند الحيوان فعل أو انفعال في غريزة الرّغبة .
أمّا كيف يكون الجسد وهو بما وصف عليه ، فهذا أمر نرجئ البحث فيه إلى ما بعد ، ونعنى الآن بالمركّب من النّفس والجسد : كيف ينفعل مثلا ، وكيف يتألّم ؟ ألأنّ الجسد يكون في وضع ما ، فيصل الانفعال إلى الحواسّ ، / ثمّ ينتهي الإحساس إلى النّفس ؟ لكنّا حتى الآن لا نرى كيف ينشأ الإحساس . ثمّ ربّ ألم كان أصله ظنّا أو حكما في أنّ شرّا أصابنا أو أصاب أحدا من ذوينا ، أفلا ينطلق حينئذ الطارئ المؤلم من هاهنا ، فيمتدّ إلى الجسد ويتناول الحيوان كلّه ؟
بيد أنّنا ، / مع ذلك ، لا نزال نجهل بما ذا يتعلّق ذلك الظّنّ ، أبالنّفس أم بالمركّب ؟ هذا علاوة على أنّ الظّنّ في شرّ ما يتضمّن انفعال الألم ، إذ يجوز أن يحضر الظّنّ ولا يرافقه الألم ؛ كما أنّنا
تاسوعات أفلوطين — صفحة 53
مساهمون: أفلوطين
ص٥٣