تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 652

مساهمون:

ص٦٥٢
هل يكون الخير خيرا لغيره أو يكون الخير خيرا لذاته أيضا ؟ الواقع أنّ ما كان خيرا لم يكن لذاته خيرا ، بل كان لا محالة خيرا لشيء آخر . / ثمّ ما عسى أن تكون حقيقة التي يصبح لها خيرا ؟ فربّ حقيقة لا خير لها . كما أنّه ينبغي الّا نهمل ما قد يقوله قائل ضاق ذرعا ، وهو : يا هذا ! ما بالك تقلب الأمور رأسا على عقب بتسمياتك الضّخمة ، فتقول في الحياة إنّها خيّرة ، وفي الروح إنّه خيّر والخير وراءهما صعدا ؟ / فكيف يكون الروح خيّرا ؟ أو ما عسى أن يكون الخير الذي يكفله له من عرف المثل في ذواتها وشاهدها مثالا مثالا ؟ ربّما كان مخدوعا على أمره أدّت به لذّته بهذه المثل إلى أن يقول فيها إنّها خيّرة ، وربّما كان قوله ذلك في الحياة أيضا لأنّها لذيذة . أمّا إذا كانت حاله حال حرمان من اللّذّة ، فلما ذا يقول في ذلك كلّه إنّه خير ؟ هل الخير بأن نكون حقّا ؟ فما عسانا / أن نجني من كوننا حقّا ؟ بل ما عسى أن يكون الفرق بين كوننا حقّا وعدمنا بوجه عامّ إلّا بأن نجعل حبّ الذات سببا لذلك كلّه ؟ فإنّ المكر الفطريّ فينا والخوف من الفساد هما اللذان يؤدّيان إلى الاعتقاد في تلك الأمور أنّها خيرات . / 25 إنّ أفلاطون يلحق اللّذّة بالغاية ، ولا يجعل الخير أمرا بسيطا أو ثابتا في الروح فقط : هذا ما دوّنه في كتاب « الفيليبوس » . وربّما فعل لأنّه كان متنبّها إلى إشكالنا . فإنّه لم يمل قطّ إلى جعل الخير في اللّذّة ، ونعم ما فعل . كما أنّه لم ير واجبا في الروح ، مجرّدا من اللّذّة ، / أن يتصوّر خيرا ، لأنّه لم يتبيّن فيه حينئذ الأصل المثير للرّغبة . بل ربّما كان يذهب إلى أنّه ينبغي للخير أن يكون مبهجا ما دام مشتملا في ذاته على طبيعة مثل طبيعته . ثمّ إنّ المرغوب فيه يكفل دائما لمن يصيبه ابتهاجا ، فأصبح انتفاء الابتهاج انتفاء للخير وصفا ، وكون الابتهاج في الراغب / نفيا له في الأصل الأوّل . ممّا يؤدّي بالخير محضا الّا يكون خيرا لذاته . وهذا قول معقول . فإنّ أفلاطون لم يكن باحثا عن الخير الأوّل ، بل على ما كان الخير لنا . وما دام ذلك الخير خيرا من نوع آخر ، فإنّه يختلف عمّا كان الخير لنا وهو خير ناقص ، بل ربّما كان خيرا مركّبا . ولذلك لم يكن « للمفارق القائم على حياله » خير قطّ ، بل كان الخير بمعنى آخر وأشرف . / ينبغي للخير المحض أن يكون محضا . أنقول في ما تقدّم من الأشياء إنّه هو الخير المتأخّر ، ونقول في الارتقاء الدائب إنّه يتيح للأعلى أن يكون خيرا للأدنى ، ما دام تدرّج الارتقاء / لم يخرج عن حدّ القياس بل مضى قدما من الأصغر إلى الأكبر ؟ حينذاك يقف الارتقاء عند الحدّ الأقصى الذي لم يكن شيء بعده يدرك صعدا . فيكون هو الحدّ الأوّل وهو الخير حقّا ، وأشدّ ما يكون صدقا وهو لما سواه العلّة والسّبب . فالخير للهيولي هو المثال : لو كان بوسعه أن تدركه بالإحساس لكانت انشرحت له ورحبت به . والخير للبدن / نفسه : فلو لم تكن لما كان هو ولما كفل له بقاء . والخير للنّفس الفضيلة . وفوق ذلك أيضا يحلّق