الخير حالهم ، إنّما ذووه هم ، لكنّه ربّما نفر منهم ، بل قد يميل إلى الأبعدين / وإلى ما كان دون ذلك كلّه شأنا . إنّ النّفس تعشق الروح والحياة عشقا هو كلف لا بكونهما على ما هما عليه في ذاتيهما ، بل بأخذهما ، وهما على ما كان عليه في ذاتيهما ، ممّا وراءهما شيئا آخر يزاد إليهما .
فإنّ الأجسام ، ولو كان النار يخالطها ، إنّما تحتاج إلى نور آخر حتّى يظهر النور المستكنّ فيها .
وكذلك القول في الأمور الروحانيّة : / إنّها تشتمل على نور عظيم ، وإنّما تحتاج أيضا إلى نور آخر أشرف حتّى تصبح مرئيّة لها هي ذاتها ولغيرها .
22 فعند ما نشاهد هذا النور نكون قد تحرّكنا نحو العلويّات ، فنكلف بالنور المنتشر عليها ويهزّنا طرب . مثل ذلك مثل الأجسام هاهنا : لا يقع العشق عليها محلّا لموادّ ، بل على الحسن الذي به تتلألأ . كلّ أمر يقوم بما يكون عليه في ذاته . / إنّما يصبح مرغوبا إذا أقبل الخير نحوه يزدهيه وكأنّما يخلع على الأشياء ظرفا يشفعه لعشق لدى العاشقين . فالنّفس تصاب في بواطنها بلذعة من فوق ، فتضطرب وتنتشي ويهزّها الحنين فتصبح عشقا . لم تكن النّفس لتنزع إلى الروح قبل ذلك على كونه / في الحسن قائما . فإنّ حسنه كان حسنا غير مجد قبل أن يصيبه الخير بنوره ، وكانت النّفس قد نالها من ذاتها صمود واسترخاء ، وتعطّلت عن كلّ عمل ووقفت بكماء صمّاء إزاء الروح وهو حاضر . أمّا الآن وقد هبط إليهما من العلى شيء وكأنّه حرارة ، فها هي ذي تهبّ لتنهض ، وينبت لها جناح حقّا ؛ / وبالرّغم من الجاثم أمامها وهو منها دان ما ينفكّ يستغويها ، فإنّها تخفّ إلى عالم أعظم آخر فكأنّها تتذكّره . وما دام شيء يعنّ لها ، وهو فوق ما بين يديها ، فإنّ شأنها أن ترتقي دائما يشدّ بها صعدا ذلك الذي كفل لها العشق مددا . ثمّ تجاوز الروح ولكنّها لا يسعها أن تجاوز في انطلاقها إلى فوق ما كان الخير محضا لأنّ شيئا لا يكون بعد ذلك . / أجل إنّ بقاءها في الروح يكفل لها مشاهدة الحسن والجلال ، ولكنّها تلبث ولمّا تدرك ما تبحث عنه إدراكا في تمامه . فكأنّها آنذاك قرب وجه قام في حسنه ولم يسعه أن يستميل النّظر لأنّ الإناقة التي تتناول الحسن ذاته لم تنتشر عليه ببريقها . ولذلك يجب القول حتّى في الحسن هنا إنّه بأن يكون إشراق التّناظر / أحرى منه بأن يكون التّناظر ذاته ، وإنّه هو الذي يعشق آنذاك . ولعمري ، لما ذا يكون إشراق الحسن على أشدّه في وجه من لا يزال حيّا ، ثمّ هو أثر على وجه من مات ولم ينله الفساد في لحوم وجهه وخطوطه المتناظرة ؟ ولما ذا تكون أشدّ التّماثيل حسنا أوفرها حياة ولو ظهر غيرها عليها بالتّناظر ؟ / بل لما ذا يغدو الحسن في الحيّ على قبحه أشدّ منه في التّمثال على حسنه ؟ لأنّه بأن يكون هو المرغوب فيه أحرى ، أعني لأنّه منفوس أي لأنّه من « الخير بمثال » أوفر حظّا . وهذا يعني أنّ نور الخير أقبل على النّفس يزهاها بألوانه ، فإذا زهت النّفس بهذه الألوان نهضت وخفّت ونفضت ما لديها ، وجعلت صاحبها هو ذاته خيّرا
تاسوعات أفلوطين — صفحة 650
مساهمون: أفلوطين
ص٦٥٠