في الآدميّ وفي الجواد مثلا ، والحرارة في الماء وفي النار . على أن يكون جنسا في الحالة الأولى ، / وأن يكون وصفا في الحالة الثانية ، أوّليّا في النار وفرعيّا في الماء . وإلّا لذكرنا الطّرفين كليهما أو كلّا منهما بالاشتراك في الاسم . فهل يكون الخير حاضرا في الأشياء على ما هي عليه في ذواتنا ؟ الواقع هو أنّ كلّ شيء من الأشياء خيّر ، وأنّ الخير ليس على حال واحد فيها . وكيف ذلك ؟ إن قيل إنّه موزّع عليها بأجزائه ، قلنا : لكنّ الخير لا يتجزّأ . أجل إنّه واحد في ذاته ولكنّه أصبح في حال معيّنة هذا الشّيء أو ذاك . / فإنّ التّحقّق الأوّل خيّر وخيّر أيضا ما يتبعه محدّدا ، وما يستوي جامعا بين الطّرفين كليهما . أمّا التّحقّق الأوّل فإنّه خير لأنّه بالخير تمّ ، أمّا المحدّد بعده فلأنّ نظامه من الخير منبعث ؛ وإنّ الجمع بين الطّرفين فللسّببين كليهما .
كلّ ذلك ينبعث من الخير إذا ، ثمّ ما من شيء يماثل شيئا آخر مماثلة كاملة . فيمسي الأمر كما لو أطلق المرء الواحد صوتا وسار سيرا أو أتى شيئا آخر أيضا ، وكلّه متقن صنعا . ولكنّ الأمر هنا / أمر نظام وانسجام . فما عسى أن يكون الأمر هنالك ؟ قد يقول قائل إنّ حسن الحال هنا وارد من الخارج ما دامت الأشياء التي يقع النّظام عليها مختلفة . أمّا في الملأ الأعلى فإنّ الأمور خيّرة بحدّ ذاتها . ولكن ما عسى أن يكون الذي يجعلها على هذه الحال ؟ ينبغي الّا نسترسل مع اطمئناننا إلى أنّها من الخير منبعثة . نعم ، ينبغي أن نسلّم بأنّها شريفة ما دامت من الخير منبعثة ، لكنّ العقل / يرغب في أن يدرك السّرّ في كونها خيّرة .
19 فهل ندع الحكم في الأمر للنّفس ورغبتها ، مستسلمين لتأثيرها ، فنقول في الخير إنّه ما ترغب النّفس فيه ولا نبحث عن الأمر الذي لأجله ترغب ؟ أو نأتي ، في طلب الشّيء ما هو ، بالبراهين التي تدلّ عليه ، ثمّ ندع للرّغبة أن تحدّد الخير ذاته ؟ ما أكثر ما يبدو لنا من الاستحالات حينئذ . / وأوّلا يصبح الخير هو أيضا أحد الأمور التي يدور البحث حولها . ثمّ إنّ الأمور التي ترغب كثيرة ، فبعضها يرغب في أشياء وبعضها في آخر . فكيف نحكم بالرّغبة على الشيء أنّه الأحسن ؟ بل إنّا ندرك الأحسن ما دمنا نجهل الحسن ما هو . أنحاول تحديد الخير على أنّه الفضيلة في كلّ شيء من الأشياء ؟ / لو فعلنا ، لانتهينا إلى مثال ومعنى ونكون قد سلكنا صواب المسلك . ولكن ما عسانا نقول ، لدى وصولنا إلى الروحانيّات ، ونحن نبحث عن هذه الأمور ذاتها كيف تكون حسنة ؟ فقد ندرك ، في ما يبدو ، في الأشياء السّفليّة ، أمرا من نوع الفضيلة ، ولو لم يكن على حال الصّفاء . أمّا هناك فلا سبيل أصلا للمقارنة مع الأسفل ، إذ / إنّ شرّا لا يقوم ، بل تكون الأمور الشّريفة قائمة هي ذاتها في ذاتها ، ممّا يؤدّي بالمسألة إلى أن تشكل علينا . ليت شعري ، لمّا كان بحثنا عن الشّيء « لم يكون » وكانت تلك الأمور هي ذاتها خيّرة ، أليس ذلك هو الذي غدا سبب الإشكال ، إذ إنّ « لم يكون » الشّيء هو ذاته كون الشّيء حقّا ؟ حتّى
تاسوعات أفلوطين — صفحة 648
مساهمون: أفلوطين
ص٦٤٨