تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 579

مساهمون:

ص٥٧٩
الغيريّة في أن يصير الشّيء غيره ويبقى على ما يكون هذا الآخر عليه ، بل كانت تحوّلا من غير إلى غير دائما . ومن ثمّ كان الزّمان في تغيّر مستمرّ لأنّ الحركة هي التي تحدثه . ذلك بأنّها حركة مقاسة لا سكون لها ، / وهو يعدو بعدوها وكأنّه فارسها وهي تجري . هذا وإنّ المعنى الجامع بين الحركات كلّها هو كونها انطلاقا من القوّة والإمكان ومساقا إلى التّحقّق . فإنّ كلّ ما يتحرّك ، مهما تكن حركته ، كان قادرا ، قبل أن يتحرّك ، على فعل ذلك أو الانفعال به . / 23 ثمّ إنّ الحركة التي تقع في الأشياء الحسّيّة إنّما تنبعث من أصل غريب على هذه الأشياء . فتهزّ ما تصيبه وتطارده وتوقظه وتدفعه بحيث إنّه لا ينام ولا يستقرّ على الحالة ذاتها ، حتّى تبقى الأشياء الحسّيّة في ما هو للحياة شبحها ما دامت في هذا الاضطراب وهذا التّشتّت إن ساغ هذا التّعبير . ويجب الّا نعتقد أنّ المتحرّكات / هي الحركة ذاتها ؛ فإنّ السّير ليس القدم ، بل ما يتحقّق من القدم منبعثا من قوّة . وما دامت هذه القوّة محجوبة لم يكن بدّ من تركيز النّظر على الأقدام التي تحقّق سير السائر ، وليس على الأقدام فقط مثلما تبدو لو كانت ساكنة ، بل على ما يلازمها أيضا . صحيح أنّه محجوب ، لكنّه بملازمته لغيره / يرى عرضا إذ نرى الأقدام تشغل محلّا ثمّ آخر ولا تكفّ دائبة . فإنّا نستدلّ على التّغيّر الذي حدث بالشّيء الذي تغيّر لأنّه لم يبق على الكيف ذاته . وما عسى أن يكون الأمر الذي تكمن الحركة فيه عندما تحرّك شيئا آخر وعندما تخطو به من طور القوّة المستكنّة فيه إلى حيّز التّحقّق ؟ هل تكون الحركة في المحرّك ؟ وكيف / يأخذ المتحرّك والمنفعل نصيبه منها آنذاك ؟ أو يكون في المحرّك ؟ ما بالها إذا لا تبقى فيه بعد أن أقبلت عليه ؟ الواقع هو أنّه يجب فيها الّا تفصل عن الفاعل ، والّا تكون فيه ، بل تنبعث منه إلى المتحرّك . ثمّ إنّها لا تكون في المتحرّك مفصولة عن المحرّك ، بل تنطلق من المحرّك لتتّصل بالمتحرّك حتّى كأنّها نفحة من الأوّل تدرك الآخر . / إذا كانت القوّة المحرّكة هي الطاقة على السّير دفعت إلى الأمام ، إن جاز لنا القول ، وأحدثت الثّقل الدائم من مكان إلى مكان ؛ وإذا كانت الطاقة على التسّخين سخّنت ، ثمّ إذا أصابت القوّة هيولى لتبني شيئا من أشياء الطّبيعة ، كان النّموّ ؛ وإذا أقبلت قوّة أخرى بتأثيرها السالب كان النّقصان لدى المنقوص القابل لأن يتأثّر بالسّلب . هذا وإذا / نهضت الطّبيعة المولّدة كانت الصّيرورة ، فإذا أمست الطّبيعة ذاتها عاجزة ، وغلبت الطّبيعة القادرة على الإفساد ، كان الفساد . وهو ليس فسادا في ما نشأ واستوى ، بل في ما يكون صائرا إلى أن يصبح شيئا . وعلى الوجه ذاته تكون النّقاهة عندما تنهض القوّة على إحداث الصّحّة وتغلب ، ويكون الدّخول في المرض إذا قامت القوّة العاكسة فأحدثت عكس ذلك . / فالواقع هو أنّ الحركة لا تستمدّ ما تنفرد به وتكون حركة مكيّفة معيّنة بين ذلك كلّه ، ممّا تستوي فيه فقط ، بل ممّا تنطلق منه وممّا به تتحقّق .
تاسوعات أفلوطين — صفحة 579 | أفلوطين