بحيث تصدق حقيقة الحقّ في ما تكون عليه . هذا هو الحقّ الذي نتناوله بقولنا ونبحث فيه من حيث إنّه ليس شيئا واحدا . على أنّا ، بعد ذلك ، إذا رأينا في القول خيرا ، سنقول شيئا في الكون والصّيرورة ، وفي ما يكون ويصير في العالم الحسّيّ .
2 وما دمنا نقول في الحقّ إنّه ليس شيئا واحدا ، فهل يحصر بعدد أو ننفي عنه النّهاية ؟ وبأيّ معنى نقول فيه إنّه ليس شيئا واحدا ؟ نقول ذلك في الحقّ بمعنى أنّه واحد ومتعدّد في الآن ذاته ، ثمّ إنّه شيء واحد متعدّد الوجوه ينطوي على الكثرة تضمّها الوحدة . فلا بدّ للشّيء ، وهو كذلك واحد في ذاته ، من أن يكون على نحو ما يلي : إمّا أن يقوم واحدا بالجنس فتغدو الحقائق أنواعه وبها يكون هو أشياء كثيرة تجمع الوحدة بينها . وإمّا أن يتوزّع إلى أجناس كثيرة ، فتقع الأشياء كلّها في حكم الشّيء الواحد . / أو يكون ذا أجناس متعددة ، ثمّ لا يخضع جنس لصاحبه بل يحيط كلّ جنس بالأمور التي يشتمل عليها ، سواء أغدت هذه الأمور أجناسا أقلّ شأنا ، أو أمست أنواعا تشتمل بدورها على أفراد . ثمّ تسهم هذه الطّبقات كلّها في إنشاء الطّبيعة الواحدة ، ومنها كلّها يستوي العالم الروحانيّ في بنيانه وهو العالم الذي نقول فيه إنّه الحقّ . وإن كان ذلك ، / فإنّ هذه الطّبقات ليست أجناسا فقط ، بل هي أصول الحقّ أيضا . فإنّها أجناس لأنّ تحتها الأجناس الأخرى التي تكون دونها رتبة ، ثمّ الأنواع والأفراد معها . وإنّها أصول ما دام الحقّ ، وهو كذلك ، ينبعث منها ، وما دام الكلّ من هذه الأمور قائما . ولو كانت الكثرة من الأمور التي إذا تضافرت كلّها على عمل واحد أخرجت الكلّ ، ثمّ لم تنطو على شيء تحتها ، / لأمست هذه الأمور أصولا وما كانت أجناسا . مثل ذلك مثل من إذا عمد إلى العناصر الأربعة أحدث العالم الحسّيّ من النار وغيرها من نوعها . فإنّ هذه العناصر أصول وليست بأجناس إلّا إذا كان الجنس مجرّد اسم مشترك . إنّا نقول في بعض الأجناس إنّها أصول إذا . أفنعني بذلك أنّا نخلط الأجناس بعضها ببعض ، / كلّ جنس مع ما يقع تحته من أشياء فنخرج الكلّ كاملا بوحدته ونجعله خليطا من الأشياء كلّها ؟ كلّا ! لأنّ الشّيء يكون بالقوّة آنذاك لا بالفعل ، ثمّ إنّه لا يكون محضا خالصا . بل ندع الأجناس بما هي عليه في ذاتها ، أمّا الأفراد فنخلطها . وما عسى أن يكون من أمر الأجناس في ذاتها آنذاك ؟ إنّها تبقى على ما هي عليه في ذاتها وعلى صفائها ، / ولا تنال منها الأمزجة قطّ . وكيف يكون ذلك ؟ فهذا بحث نرجئه إلى حينه .
لقد سلّمنا إذا بوجود الأجناس وبأنّها أصول للذات أيضا ، كما أن سلّمنا ، من ناحية أخرى ، بأنّ هذه الأصول تختلف عن مركّباتها . أمّا الآن فينبغي لهذه الأجناس أن تذكر من أيّ وجه يقال فيها إنّها أجناس ، وكيف نميّز بعضها عن بعضها الآخر ، وما / لنا لا نجمعها تحت حدّ واحد . وإلّا لغدا اجتماعها كأنّه من قبيل الصّدفة والاتّفاق ، وقد أحدثت به شيئا ما قائما في
تاسوعات أفلوطين — صفحة 538
مساهمون: أفلوطين
ص٥٣٨