تتفرّع الذّوات الأخرى . على أنّا نقول : لنفترض / في الأمور التي توصف بأنّها ذوات من جنس واحد كلّها ، وأنّها تنطوي على شيء يميّزها عن الأجناس الأخرى . فما عسى أن يكون بالذات معنى « الماهيّة » و « عين الشّيء » و « المحلّ » الذي تسند الأشياء إليه ولا يكون مسندا إلى شيء ، « والذي ليس في شيء آخر على أنّه في محلّ » ، كما أنّه ، في ما هو عليه ، ليس وصفا لازما لغيره ؟ أو لسنا نقول أيضا في هذا الأمر إنّه ليس مثل البياض وصفا للجسد ، أو مثل الكمّ لازما للذات ، أو مثل الزّمان من الحركة / أو مثل الحركة من المتحرّك ؟ وإن قيل : لكنّ الذات التي في المقام الثاني إنّما تنسب إلى غيرها ، قلنا : إنّ للنّسبة هنا معنى آخر ، وهي بمعنى الجنس الكامن في الشّيء على أنّه جزء من الشيء وماهيّته . أما نسبة البياض إلى شيء آخر ، فعلى معنى أن البياض في هذا الشيء الآخر . وعلى كلّ حال ، فقد تذكر تلك الأمور على أنّها لوازم / للذات بالإضافة إلى الأشياء الأخرى ؛ فتجمّع ، وهي كذلك ، وتقال في الذات . وليس هذا القول قولا في الجنس الواحد ، وهو لا يدلّ من أيّ وجه كان على معنى الذات وحقيقتها . هذا وحسبنا من موضوعنا ما ذكرنا . فلننتقل إلى الكمّ في حقيقته .
4 لقد يقولون في الكمّ إنّه العدد أوّلا ، ثمّ مقدار متّصل ، ثمّ المكان والزّمان . ثمّ إنّهم يردّون إلى هذا كلّه كلّ شيء آخر يقولون فيه إنّه كمّ : فالحركة كمّ لكون الزّمان كمّا . مع أنّه ربّما كان الأمر على خلاف ذلك ، إذ إن الزّمان يستمدّ اتّصاله من الحركة . وإن قالوا في المتّصل إنّه / كمّ من حيث إنّه متصل ، فلا يكون المنفصل كمّا . أمّا إذا كان المتّصل كمّا بالعرض ، فما هو أمر المشترك الذي يجعل الطّرفين كلّا منهما كمّا ؟ أمّا العدد ، فلنسلّم بأنّه كمّ ، ولو كان هذا القول قولا يكفل للعدد كونه كمّا ، ولمّا يدلّ على الحقيقة التي يقال فيها ما هي في ذاتها . / أمّا السّطر والسّطح والجسم ، فلا يقال فيها إنّها كمّ ، بل إنّها مقادير وليست كمّا ، ولو قيل فيها إنّ الكمّ يضاف إليها عندما تخضع للعدد ، كأن يقدّر طولها بذراعين أو ثلاثة أذرع . ثمّ إنّ الجسم الطّبيعيّ إذا قيس عددا أصبح كمّا من وجه ما ، وكذلك القول في المكان : فهو كمّ عرضا ، لا من حيث إنّه / مكان . ولكنّ الذي يجب إدراكه ليس الكمّ بالعرض ، بل الكمّ بما هو عليه في ذاته .
الكمّيّة مثلا ، فإنّنا لا نقول في البقرات الثّلاث إنّها كمّ ، بل في العدد الذي يجمع بينها : إنّ في العبارة « بقرات ثلاث » مقولتين . وكذلك في قولنا « خطّ طوله كذا » مقولتان ، ومقولتان أيضا في قولنا : « سطح / أبعاده كذا » . فإنّ كمّه كمّيّة ما ، ولكنّ السّطح في ذاته ، لما ذا يكون كمّا ؟ إنّما يقال فيه إنّه بكمّ إذا كان محدودا بثلاثة أسطر مثلا أو أربعة . ثمّ ما ذا ؟ أنقول في الأعداد وحدها إنّها كمّ ؟ إذا عنينا الأعداد بما هي عليه في ذواتها ، قلنا فيها إنّها ذوات وذلك بالمعنى الأخصّ ، لأنّها أمور قائمة في ذواتها . أمّا إذا عنينا العدد في الأشياء / التي تأخذ كمّها منه ، والذي لا
تاسوعات أفلوطين — صفحة 511
مساهمون: أفلوطين
ص٥١١