الجنس يقع على الطّرفين بالتّرادف ، فليس من المعقول أن يدلّ الشّيء الواحد على الذات في الحقائق المتقدّمات وفي المتأخّرات عنها ، إذ إنّ جنسا مشتركا لن يكون حيثما نجد متقدّما ومتأخّرا . لكنّهم لا يذكرون قطّ تصنيفا في الروحانيّات إذ إنّهم لم يقصدوا بتصنيفهم الحقائق كلّها ، بل أسقطوا فيه ما كان أوفرها حقّا . /
2 نعود ونقول ، هل يجب أن نعدّ ما لدينا أجناسا ؟ وكيف تكون الذات جنسا واحدا ؟ فإنّها على كلّ حال ، لا بدّ من أن تكون هي المنطلق . ولقد ذكرنا أنّه يستحيل على الروحانيّ والحسّيّ أن يشتركا في شيء واحد يكون جنس الذات . هذا فضلا على أنّه يقابلنا آنذاك شيء آخر يكون قبل الروحانيّات وقبل الحسّيّات ، وهو شيء آخر / ما دام يقال في الطّرفين كليهما ، فلا يكون جسما كما أنّه لا يكون منزّها عن الجسميّة . ومن ثمّ ، فإمّا أن يكون الجسم منزّها عن الجسميّة ، وإمّا أن يكون المنزّه عن الجسميّة جسما . لكن لا ينبغي أن يمنعنا هذا من البحث ، في ذوات الأشياء الحسّيّة : ما عسى أن يكون الأمر المشترك بين الهيولى والمثال والمركّب منهما . ذلك لأنّهم يقولون في هذه الأشياء الثّلاثة إنّ كلّا منها ذات . والواقع هو أنّهم لا ينسبون / الذات إلى الثّلاثة كلّها على التّساوي إذ يقولون في المثال إنّه بأن يكون ذاتا أحرى من الهيولى . وهم على صواب في قولهم . لكن ربّما قال غيرهم في الهيولى إنّها بأن تكون ذاتا أحرى . ثمّ إنّ الذّوات التي يقال فيها إنّها الأصول ، ما عسى أن يكون الأمر المشترك بينها وبين الذوات الفرعيّة ؟ فإنّ الذّوات الأصليّة إنّما هي التي تؤهّل الذّوات الفرعيّة إلى أن يقال فيها إنّها ذوات . وقصارى الكلام ، يستحيل على الذات أن يقال فيها ما هي . / فإنّ من ينطق باللازم الذي تنفرد به ، ليس لديه منها ما هي عليه في ذاتها . وربّما لم يكن تعريفها تعريفا يصحّ في كلّ حالة من الأحوال ، وأعني تعريف الشّيء الذي يكون بالعدد واحدا في ذاته لا يتغيّر ، وهو قابل للأمور المتخالفة .
3 هل يجب في الذات أن نصفها بأنّها مقولة ما واحدة في ذاتها ، فنتصوّرها مشتملة على الذات الروحانيّة ، وعلى الهيولى والمثال والمركّب منهما ؟ مثل ذلك مثلما قلنا في أسرة « الهراكليديس » إنّها شيء واحد ، لا بمعنى أنّ أفرادها يشتركون جميعهم في وصف واحد ، بل بمعنى أنّهم جميعهم من أصل واحد . فإنّ الذات الروحانيّة تكون في المقام الأوّل ، ثمّ تليها الذّوات الأخرى ، وهي في المقام الثاني وأضعف ذاتيّة . وأيّ / مانع يمنع الأشياء كلّها من أن تكون مقولة واحدة ؟ فإنّ كلّ ما يقال فيه إنّه شيء ، إنّما يأتي من الذات . يقولون : إنّ هذه الأشياء إنّما هي أحوال للذات ، أمّا الذوات عينها فإنّها متخلّفة عن الذات الروحانيّة من وجه آخر . ولكنّا لا نستطيع ، مع ذلك ، أن نعتمد على الذات وأن ندرك الفاصل الأساسيّ الذي منه
تاسوعات أفلوطين — صفحة 510
مساهمون: أفلوطين
ص٥١٠