وإنّما نجد الشّرّ في دنيانا ، فهو وليد الحاجة والحرمان والنّقصان ، وهو شأن الهيولى المشئومة أو / شأن ما يحاكيها .
11 هل نجد في الملأ الأعلى كلّ ما أخرجته الصّناعات أيضا ؟ إنّ كلّ الصّناعات القائمة على تقليد الطّبيعة من رسم ونحت ورقص وتمثيل ، إنّما تجد مقدّماتها من وجه ما في هذه الدّنيا . لقد تلجأ إلى المحسوس قياسا أصليّا وتحاكي المثل والحركات وأوضاع التّناظر التي تشاهدها فتحوّلها من هيئة إلى هيئة . وما دامت الصّناعات هذي حالها ، فلا يصحّ عليها أن ترد وترتقي بها إلى عالم الروح ، / إلّا من حيث إنّها في حدود بنية الآدميّ المعنويّة . فلو انطلقنا من التّناظر الواقع بين الأحياء حيّا حيّا ، فبحثنا عن بنية الحيوانات الكلّيّة ما هي ، لكانت الملكة الناظرة فينا جزءا من القوّة الثابتة في الملأ الأعلى وهي التي تلتمس التّناظر الكلّيّ الواقع بين الروحانيّات وتشاهده . ثمّ إنّ الموسيقى ما دامت تتناول كلّ التّناسب والتّوقيع / - وبكونها واقعة على التوقيع والتّناسب ، فإنّ الروحانيّات حاصلة فيها - فإنّها من نوع تلك التي تتناول العدد الروحانيّ هناك . أمّا الصّناعات التي تخرج المصنوعات الحسّيّة ، مثل صناعة البناء وصناعة النّجارة فإنّها ، بقدر مراعاتها لمقتضيات التّناظر ، تستمدّ أصولها من الملأ الأعلى أيضا ومن الأحكام الثابتة فيه . لكنّ تلك الصّناعات تخلط هذه الأمور بالشّيء المحسوس ، / فليست مع ما هي عليه بكاملها هناك ، إلّا إذا نظرنا إليها كامنة في بنية الإنسان المعنويّة . كما أنّا لا نجد هناك الحراثة أيضا إذ إنّها تهتمّ بالنّبات المحسوس ، ولا صناعة الطّبّ التي تعالج صحّة الجسم وتهتمّ بقوّته وعافيته . فإنّ هناك قوّة أخرى وصحّة أخرى أيضا ، وتكفل لكلّ حيّ ، من حيث إنّه حيّ ، أن يكون مبرّأ عن العجز أو الاضطراب . أمّا صناعة الخطابة والحرب والاقتصاد / والسّياسة ، فإنّ خلعت الحسن على المعاملات ووجّهت إلى الملأ الأعلى ، أخذت من هنالك شيئا هو علم تستمدّه من العلم الروحانيّ . أمّا علم الهندسة ، فيجب فيه أن يجعل في عالم الروح ما دام علما بأمور روحانيّة . كما أنّه ينبغي أن يجعل فوقه أيضا علم الحكمة ما دام علما غرضه هو الحقّ . فهذا ما يجدر ذكره في الصّناعات وما تخرجه . /
12 ولكن إن كان للإنسان الأصليّ في الملأ الأعلى ، فللناطق أيضا وللصانع . كما أنّ الصّناعات كلّها هناك ما دامت من مولّدات الروح .
ألا إنّه ينبغي أن يقال في المثل إنّ منها في الملأ الأعلى الكلّيّات ، لا سقراط ، بل الإنسان . ثمّ ينبغي أن يبحث عن الإنسان أيضا ، إن كان مثال الإنسان هناك بأوصافه الفرديّة .
وأعني بالأوصاف الفرديّة أن يكون الوصف ذاته على حال في شيء ، وعلى حال آخر في شيء /
تاسوعات أفلوطين — صفحة 502
مساهمون: أفلوطين
ص٥٠٢