مثلما يتم بين النّحاس وصانع التّمثال ، وبين الخشب وصانع الأسرّة حيث تصير الصّناعة إلى النّحاس والخشب بوساطة الارتسام ، على أن تستمرّ الصّناعة خارج الهيولى باقية كما هي عليه في ذاتها ، حاملة هي / في جنباتها التّمثال الحقّ والسّرير الحقّ ؛ وكذلك القول في الأجسام .
فإنّ عالمنا يأخذ نصيبه من الارتسامات ، فيدلّ على أنّ هذه الارتسامات شيء وأنّ الحقّ شيء آخر . أمّا الحقّ فلا يتحوّل إلى شيء ، في حين أنّ الارتسامات دائما بين حال وحال ؛ وهو يبقى على ما هو في ذاته ، ولا يحتاج إلى مكان . فما هو بكمّ ، / بل كيانه نورانيّ مكتف بذاته . ولا غرو ، فإنّ الأجسام تريد ، بدافع فطريّ ، أن تحفظ ذاتها معتمدة على غيرها . أمّا الروح ، فإنّه ، بفطرته العجيبة ، يسند ما من شأنه أن يهوى ، ثمّ لا يبحث هو عن مقام يستقرّ فيه .
6 فليكن الروح هو الأشياء كلّها إذا . على أنّ الأشياء تكون فيه ، لا بمعنى أنّه مشتمل عليها اشتمالا مكانيّا ، بل بمعنى أنّه هو مشتمل على ما يكون عليه في ذاته وهو معها شيء واحد . فإنّ الأشياء كلّها فيه جميعا ، ثمّ لا يقلّ تباين بعضها عن بعضها الآخر بشيء . ولا غرو ، فإنّ النّفس تنطوي في آن واحد على علوم كثيرة بدون أن يختلط علم بآخر . فينقلب كلّ علم إلى العمل الذي هو من شأنه عندما / تمسّ الحاجة إليه ، ثمّ لا يسحب العلوم الأخرى معه . كلّ فكرة تفعل أفعالها وهي منفصلة عن الأفكار الأخرى الكامنة كلّها في النّفس وبواطنها . كذلك القول في الروح ، وهو بأن يكون الأشياء كلّها جميعا أحرى ؛ ولكنّه ليس الأشياء كلّها جميعها أيضا لأنّ كلّ شيء إنّما هو قوّة خاصّة . فيشتمل الروح الكلّي على الأمور كلّها اشتمال الجنس على الأنواع ، والكلّ على الأجزاء . / هذا وإنّ القوى البذريّة تؤدّي صورة عمّا نعنيه . يشتمل الكلّ فيها على الخواصّ كلّها غير متباينة ، وكأنّ البنى المعنويّة في مركز واحد . ومع ذلك ، فإن بنية العين شيء وبنية اليدين شيء آخر ، ولا يدرك كونها مختلفة إلّا بالشّيء الحسّيّ الذي يحدث بها . أمّا القوى الكامنة في البذور فإنّ كلّ قوّة منها / هي مع الأجزاء التي تنطوي عليها في ذاتها ، بنية معنويّة واحدة كاملة ، اتّخذت العنصر الجسمانيّ هيولى لها ، كأن تتّخذ ما في البذر من رطوبة هيولى . أمّا البنية المعنويّة فهي المثال كاملا ، وهي بنية تكون شيئا واحدا مع النّفس الغذائيّة التي هي ارتسام لنفس أخرى أفضل منها . ثمّ إنّ هذه القوّة الكامنة في البذور فقد يسمّيها بعضهم « طبيعة » . / فهي تلك التي انطلقت ممّا هو قبلها في العالم الروحانيّ ، كما ينطلق النور من النار ، ثمّ أشعّت في الهيولى وغمرتها بالصورة . وهي لم تدفع دفعا آنذاك ، كما أنّها لم تلجأ إلى الأدوات المشهورة بالامّحال ، إنّما تمدّ بالبنى المعنويّة .
7 أمّا العلوم التي تكون في النّفس الناطقة علوما بالحسّيّات ( إن كان يجوز أن يقال فيها إنّها
تاسوعات أفلوطين — صفحة 499
مساهمون: أفلوطين
ص٤٩٩