آخر . كأن يكون أحدهم أفطس وغيره أقنى . على أنّه يجب في هذين الوصفين أن نتصوّرهما فصلين قائمين في مثال الإنسان مثلما أنّ في جنس الحيوان فروقا . أمّا الكيف الذي يكون عليه الأنف عند الأوّل وعند الآخر ، فإنّه يعود إلى الهيولى . وكذلك القول عن الفروق في الألوان :
فإنّ بعضها كامن في البنية المعنويّة ، / وبعضها الآخر وليد الهيولى واختلاف المناطق .
13 بقي القول فيما إذا كان للأشياء الحسّيّة وحدها مثلها الأصليّة في الملأ الأعلى أو إنّه ، مثلما أنّ الإنسان شيء ، والإنسان مثالا أصليّا شيء آخر ، كذلك تكون النّفس شيئا ، والنّفس مثالا أصليّا هنالك شيئا آخر . وهكذا الأمر في الروح أيضا . ينبغي أن نقول أوّلا إنّه يجب في الأشياء الّا نتصوّرها كلّها ارتسامات لأقيسة أصليّة ، كما أنّ النّفس ليست ارتساما لنفس أخرى هي مثال أصليّ . / فإنّ النّفس تختلف عن أختها بالمقام ، وإنّها ، نفسا ، مثال أصليّ حتّى في هذه الدّنيا ، على أنّه ربّما ليست كذلك بمعنى أنّها في هذه الدّنيا . يجب في كلّ نفس ، ما دامت نفسا حقّا ، أن تستوي مع شيء من الحكمة والعدالة ، كما أنّ في نفوسنا ذواتها علما صدقا . وليس هذا العلم مجموعة ارتسامات وصور للعالم الروحانيّ ، بمعنى أنّه صار آنذاك في المحسوس ، بل إنّه هذا العالم بالذات / وقد صار في دنيانا على وجه آخر . فإنّ الأمور الروحانيّة لا تحصر في مكان مهما يكن ، فلا عجب أن تصبح النّفس إذ تخلع بدنها عنها هي ذلك الملأ وتلك الأمور .
ذلك لأنّ العالم الحسّيّ ، إنّما هو في كلّ مكان واحد ؛ أمّا العالم الروحانيّ فلا يشتمل عليه مكان . فكلّ ما تنطوي النّفس عليه ، وهي كما وصفنا ، فتكون به الملأ الأعلى بالذات ، إنّما هو ثابت في دنيانا ، على أنّ النّفس وهي آنذاك الأمور الروحانيّة ، تصبح في الملأ الأعلى . وعليه ، إن عنينا بالحسّيّات الأشياء المنظورة ، / فليست الروحانيّات بقدر ما في العالم الحسّيّ فقط ، بل تزيد عليه أيضا . أمّا إذا ذكرنا هذا العلم بمعنى أنّه يشتمل على النّفس أيضا ، وعلى ما هو في حدود النّفس ، فإنّ الأشياء كلّها تكون هنا بقدر الأمور كلّها هناك .
14 يجب في تلك الحقيقة التي تشتمل على الأشياء كلّها في العالم الروحانيّ ، أن نجعلها هي الأصل إذا . ولكن كيف ذلك ، ما دام هذا الأصل واحدا حقّا ، وما دام بسيطا من كلّ وجه ؟
ولكن كيف يكون إلى جانب الواحد شيء آخر مهما يكن ، وكيف نفهم الكثرة ؟ كيف تكون الأشياء كلّها ؟ ولما ذا كان الروح هو هذه الأشياء ، وأنّى لكلّ ذلك أن يتمّ ؟ هذا شرح يجب أن نقبل عليه / منطلقين من أصل آخر .
أمّا إذا كان لما يتولّد من الفضلات ومن البهائم التي يعتريها الفساد مثال في الملأ الأعلى ، وإن كان للأوساخ وللأوحال أيضا ، فالقول الذي يجب في ذلك هو أنّ كلّ ما يتلقّاه
تاسوعات أفلوطين — صفحة 503
مساهمون: أفلوطين
ص٥٠٣