علوم ، مع أنّها بأن تسمّى ظنونا أحرى ) ، فإنّها تقع بعد الأشياء ، وهي بذلك صور للأشياء . أمّا العلوم بالروحانيّات ، وهي العلوم حقّا ، فإنّها تأتي من الروح إلى النّفس الناطقة ولا تشتمل قطّ على / محسوس . وبقدر ما أنّها علوم ، فإنّها كلّ شيء من الأشياء التي تشتمل عليها ، وتتلقّى من الباطن معروفها وعرفانها . فإنّ الكامن في الباطن إنّما هو الروح - ( أعني هذه الأوائل بالذات ) - دائم الحضور إلى ذاته ، قائما بالفعل غير مدرك معلوماته بمعنى أنّها لم تكن بين يديه ، أو أنّه اكتسبها ، أو أنّه قد أتى عليها واحدا واحدا إذا لم تكن كلّها حاضرة معه . / فهذه أحوال تصحّ على النّفس . أمّا هو فإنّه ثابت في ذاته ما دام هو الأشياء كلّها ، ولم يكن يعرف الأشياء حتّى يوجدها قائمة في ذواتها ، فلا يصحّ أن يقال في الإله إنّه كان لأنّ الروح عرفه ، ولا في الحركة إنّها حدثت لأنّ الروح عرفها . ومن ثمّ لم يكن القول في المثال إنّه عرفان قولا صادقا إن ورد بمعنى أنّ الشّيء يكون ، أو يكون ما هو عليه في ذاته بعد إدراكه بالعرفان . / فإنّه يجب في الأمر المعروف أن يكون قبل هذا العرفان . وإلّا فكيف يقبل العارف على عرفان ذلك الأمر وهو لم يدركه بحكم المصادفة والاتّفاق ؟
8 إن كان العرفان عرفان شيء باطن إذا ، فإنّ هذا الشّيء الباطن إنّما هو المثال ، وهو الأصل المثاليّ بالذات . وما عسى أن يكون هذا الأصل المثاليّ ؟ إنّه لروح ، وهو الذات النورانيّة . لا فرق بين الروح وبين الأصل المثاليّ الواحد ، بل إنّ كلّ أصل مثاليّ هو روح .
ثمّ إنّ الروح كلّا هو المثل كلّها ، وكلّ مثال هو الروح مفردا . مثل ذلك مثل ما أنّ العلم كلّا هو النّظريات كلّها ، على أنّ النّظريّة الواحدة هي / جزء من أجزاء الكلّ ، لا بمعنى أنّه منفصل عن هذه الأجزاء انفصالا مكانيّا بل بمعنى أنّ لكلّ نظريّة طاقتها في الكلّ . إنّ هذا الروح إنّما هو ثابت في ذاته إذا ، وما دام هو ربّ أمره ، هادئا مطمئنّا فإنّه الرغد الدائم . إنّما لو كنّا نتصور الروح متقدّما على الحقّ ، لوجب أن نقول في الروح إنّه يحقّق الحقائق بعرفانه لها / فيخرجها مكتملة ويبتدعها آنذاك . ولكن ما دام أنّه يجب في الحقّ أن نتصوّره قبل الروح ، وجب أن نجعل الحقّ قائما في الروح العارف ، وأن نجعل معرفة الروح المحقّقة في علاقتها مع الأشياء على نحو ما تكون العلاقة بين فعل النار والنار الحاضرة . فتنطوي الحقائق آنذاك على الروح ، واحدا في ذاتها ، على أنّه تحقيقها فعلا . ولكنّ الحقّ هو فعل محقّق أيضا . / فالفعل واحد لدى الطّرفين إذا ، والأولى بالطّرفين أن يكونا واحدا . وبالتالي إنّ الحقيقة واحدة : هي الحقّ وهي الروح . وكذلك القول في الحقائق وفي الحقّ محقّقا وفي الروح كما شرحناه : كلّ ذلك ، إنّما هو حقيقة واحدة ، تجمع أيضا مع وجوه العرفان على ما وصفناها المثال وصورة الحقّ وتحقيقه بالفعل . لكنّا نتصوّر بعضها متقدّما على بعضها الآخر ، لأنّا نلجأ نحن إلى السّبر والتّقسيم . /
تاسوعات أفلوطين — صفحة 500
مساهمون: أفلوطين
ص٥٠٠