صورة من تلقاء ذاتها - فتبحث عن المثال / من أين أقبل على الهيولى . ثمّ تبحث بعد ذلك عن النّفس إن كانت أمرا من الأمور البسيطة أو إن كان فيها شيء بمنزلة الهيولى من ناحية يقابله المثال من الناحية الأخرى . وأعني بالمثال هنا الروح الذي تنطوي النّفس عليه ، وهو ، في آن واحد ، بمنزلة الصورة في النّحاس ، ثمّ بمنزلة الصانع الذي يخلع الصورة على النّحاس . هذا وإنّا نطبّق هذه الأصول على العالم الكلّيّ / فنرتقي إلى روح نجعله هو المحدث حقّا والصانع .
فنقول : إنّ الحامل الذي يتلقّى الصّور يصير نارا وماء وهواء وترابا . أمّا الصّور فإنّها تأتي من شيء آخر ، وهذا الشّيء هو النّفس . ثمّ إنّ النّفس هي التي تمدّ العالم بصورته مع العناصر الأربعة . / على أنّ النّفس تتلقّى بدورها من الروح بناها المعنويّة ، كما أنّ النّفوس ذوي الصّناعات ، يتلقين المعاني التي يتقيّدن بها في عملهنّ من الصّناعات المختلفة . أمّا الروح فكأنّما هو للنّفس مثالها من حيث إنّه هو صورتها ، وهو الأصل الذي يضفي على النّفس صورتها أيضا ، مثلما أنّ صانع التّمثال ينطوي في ذاته على كلّ ما يحقّقه في التّمثال . / أمّا الشّيء الذي يمدّ الروح به النّفس فإنّه إلى الحقّ قريب ؛ أمّا ما يتلقّاه البدن ، فليس إلّا محاكاة ورسما .
4 لما ذا يجب أن تتجاوز النّفس إلى ما فوقها إذا ، ولا نفترضها على أنّها هي الأوّل ؟ نقول أوّلا إنّ الروح أمر يختلف عن النّفس وهو أفضل منها ؛ وإنّما الأفضل هو الأوّل طبعا . ولا يصحّ على النّفس أن يقال فيها ، كما يظنّ ، أنّها إذا اكتملت في ذاتها ولّدت الروح . فأنّى لما يكون بالقوّة أن يصير بالفعل ما لم يكن السّبب الذي يسوقه إلى / الكيان هو بالفعل . وإن حدث ذلك صدفة واتّفاقا فقد يتّفق للشّيء الّا ينتهي إلى الوجود بالفعل أيضا . ولذلك يجب في الأوائل أن تفترض موجودة بالفعل ، مكتفية بذواتها ، كاملة . أمّا ما لم يكن مكتملا في ذاته ، فإنّه متأخّر على تلك الأوائل ، فيسوقه إلى كماله الأصل الذي جاء منه وهو له كالأب يسوق إلى الكمال المولود الذي ولده ناقصا في بداية الأمر . / فيكون غير المكتمل في ذاته إذا هيولى بالنّسبة إلى الأوّل الذي أنشأه ، ثمّ تسبك هذه الهيولى في قالبها فتستحيل شيئا كاملا في ذاته . والواقع هو أنّه إن كانت النّفس شيئا ينفعل ، فوجب أن يكون شيء لا ينفعل - وإلّا لزالت الأشياء كلّها بتأثير الزّمان - كذلك وجب أن يكون قبل النّفس شيء أيضا . / ونقول أيضا بما أن النفس هي داخل العالم ، وبما أنه يجب أيضا أن نسلّم بوجود بعض الشيء خارج العالم ، وجب أن يكون هناك شيء ما قبل النفس . ذلك لأنّه إن كان الكون في العالم هو الكون في البدن وفي الهيولى ، فإنّ شيئا لن يبقى على ما هو في ذاته دائما . ومن ثمّ لا يكون الإنسان أبديّا ، باقيا على ما هو في ذاته تماما ، وكذلك القول في البنى المعنويّة كلّها . إنّا نتبيّن من هذه الأدلّة ومن أدلّة أخرى كثيرة إذا ، أنّه يجب في الروح أن يكون قبل النّفس .
تاسوعات أفلوطين — صفحة 497
مساهمون: أفلوطين
ص٤٩٧