ذلك ، فإنّه أمر ترك لنا البحث عنه واكتشافه ، إن كنّا أهلا لأن نوصف بالوصف الذي اشتهرنا به . وربّما كان الخير ، لنا أن نأخذ بالعمل ممّا يلي / :
5 إنّ كلّ ما ينشأ إنّما تنشئه حكمة ما ، صناعيّا كان أم طبيعيّا . والحكمة هي التي تشرف على الصّنع دائما . وإن كنّا نجعل الصّنع يخرج مقيّدا بالحكمة ، فإنّ في الصّناعات حكمة أيضا .
لكنّ الصانع في الصّناعة إنّما يعود إلى الحكمة الكامنة في الطّبيعة التي جاء هو ذاته خاضعا لأحكامها . / وهي حكمة ليست قائمة بنظريّات مجرّدة ، بل تبدو شيئا واحدا مكتمل الوجوه .
وليست بمعنى أنّها تتألّف من عناصر كثيرة منصهرة في شيء واحد ، بل بمعنى أنّها تتحلّل إلى كثرة خارجة من شيء واحد . فإن جعل جاعل هذه الحكمة الطّبيعية هي الأولى ، اكتفى بها لأنها وإنّ أصل هذا المعنى إنّما هو / الطّبيعة ذاتها ، قلنا : أنّى للطّبيعة هذا المعنى ، وهل أتاها من ذلك الأصل على أنه شيء يختلف عنها . فإن أتاها من ذلك الأصل على أنه هي ذاتها وقفناها عندها .
فأمّا إذا جاوز الأمر إلى الروح ، وجب النّظر هاهنا فيما إذا كانت الحكمة وليدة الروح . وأن تجيبوا بالإيجاب ، فأنّى الحكمة للروح ؟ وإن كانت من ضمن الروح ذاته ، فالأمر مستحيل إلّا إذا كان الروح هو الحكمة بالذات . / إنّ الحكمة الحقّ إنّما هي ذات إذا والذات الحقن هي حكمة . فالحكمة هي التي تكفل للذات كرامتها ولأن هذه الكرامة تأتيها من الحكمة كانت الذات ذاتا حقّا . ولذلك نقول في كلّ ذات لا تنطوي على حكمة إنّها ذات لأنّها نشأت بوساطة حكمة ما ؛ لكنّها ليست ذاتا حقّا لأنّها لا تحمل حكمة في جنباتها . فلا ينبغي أن يظنّ أنّ الآلهة وأهل السّعادة الفائقة / في الملأ الأعلى لا يشاهدون إلّا نظريّات مجرّدة . بل إنّ كلّ قول نم الأقوال هناك إنّما هو صورة حسنة ، تحاكي تلك التي نتصوّرها قائمة في نفس الحكيم الفاضل .
وهي ليست صورة مرسومة في حائط ، بل صورا في حقائق . ولذلك كان القدماء يقولون في المثل إنّها حقائق وذوات . /
6 هذا ما أدركه حكماء المصريّين ، في ما أرى ، إمّا بعلمهم مكتسب ، وإمّا بغريزة الفطرة .
فإنّهم ، في الأمور التي كانوا يريدون أن يعبروا عنها بحكمة ، ما كانوا يلجئون إلى تصوير الحروف الذي تبسط الأقوال والقضايا متتابعة ، ولا الرّسوم التي تحاكي الصّوت والنّطق بالمقدّمات . بل إنّهم كانوا يرسمون صورا وينقشون / في هياكلهم لكلّ شيء صورته .
فيعلنون بذلك أنّ العلم في الملأ الأعلى ليس علما استنتاجيا ، إذ إنّ كلّ صورة هنالك إنّما هي علمه وحكمة . وهي شيء قائم في حدود ذاته يدرك دفعة واحدة ؛ فلا فكر ولا رويّة . ثمّ ينشأ
تاسوعات أفلوطين — صفحة 486
مساهمون: أفلوطين
ص٤٨٦