ما يستوي الشّيء فيه هو الشّيء ذاته . فإذا ارتفع هذا الشّيء ، إن جاز لنا القول ، صاحبه في ارتفاعه المحلّ الذي غادره ، وإن كان لا يصحّ في الشّيء أن يكون شيئا ما بينما يكون مجاله شيئا آخر . ذلك لأنّ الحامل الذي يستوي عليه إنّما هو روح ، وهو ذاته روح . مثل ذلك مثلما يكون فيما لو تصوّرنا هذه السّماء المرئيّة أنّها ، ما دامت نيّرة ، تبدو بالذات ذلك النور الذي ينبعث منها ، أعني الكواكب . / لكنّ الواقع في الأشياء الحسّيّة هنا هو أنّه لا يخرج من كلّ جزء جزء آخر ، وليس الشّيء إلّا جزءا فقط . أمّا في الملأ الأعلى فإنّ الجزء ينبع من الكلّ على أنّ الجزء هو الكلّ أيضا . نعم ، قد يبدو على أنّه جزء ، ولكنّ ذا البصر الحديد يتبيّن فيه كلّا . مثل ذلك مثلما يتوافر لبعضهم لو كان بصره بحدّة بصر « لينكوس » ، في ما ورد ، فنفذ به إلى الأرض في بواطنها . / هذا بمعنى أن الأسطورة تشير هنا إلى الإبصار في الملأ الأعلى . فإن المشاهدة هناك لا خسر فيها ولا ارتواء حتّى يكفّ المشاهد عنها ؛ كما أنّه لم يكن فراغ بحيث يقبل عليه م يملؤه ثمّ يكتفي بما يكون قد انتهى إليه . فضلا على أنّه لا يختلف شيء عن شيء حتّى يكون الأوّل غير راض عمّا لديه الآخر . / فإنّ الأشياء هناك لا نفاد لها . لكنّ الأمور الروحانيّة لا يشبع منها بمعنى أنّ الشّبع آنئذ لا يورث نفورا ممّا يولّد الشّبع . ومهما ينظر الناظر ، ازداد استرسالا في النّظر . وهو يرى أنه مع مرئيّه أمران ليس لهما نهاية فيكون إذ يسترسل مع نظره مسترسلا مع ذاته في فطرته . ثمّ إنّ الحياة لا تتعب صاحبها إذا كانت ظاهرة ، فكيف يتعب الروحانيّون الأفاضل بحياتهم ؟ / على أنّ هذه الحياة هي الحكمة ، بمعنى انّها ليست حكمة صلت بالتّفكير ، لأنّها حاضرة كلّها دائما . ليس فيها قطّ نقصان حتّى يحتاج فيها إلى أن تطلب ؛ بل إنّها لحكمة الأولى وليست حكمة مشتقّة ممّا هو غيرها . فإنّ الذات القائمة في ذاتها هي الحكمة بالذات ، ولا يصحّ أن يقال فيها ما يقال في الشّيء إنّه كان أوّلا ثمّ صار حكيما .
ولذلك لم تكن فوق هذه الحكمة حكمة : فإن العلم بالذات يستوي هنا جالسا إلى جانب الروح فيظهر معه ، / مثلما يقال في العدالة ، عن طريق التّشبيه ، إنّها جالسة إلى جانب المشتري . إنّ تلك الأمور كلّها في الملأ الأعلى ، إنّما هي بمنزلة أصنام متشاهد ذواتها من ذواتها بحيث أنّ المشاهدة آنذاك هي مشاهدة ذوي السّعادة الفائقة . أمّا عظمة هذه الحكمة وقدرتها ، فإنّا بوسعنا أن ندركها إذ إنّها هي ، والحقّ معا وهي التي أبدعته . / فإنّ الأشياء كلّها تابعة لها وهي الحقّ بالذات لأنّه معها نشأ فكلاهما واحد ؛ والذات ، في الملأ الأعلى ، إنّما هي الحكمة . لكنّنا لم نبه نحن إلى فهما لأنّا نأخذ العلوم على أنّها نظريّات ، وجملة قضايا ومقدّمات ، وليس ذلك كذلك حتّى في علومنا هنا . وإن كان يخامر بعضهم ريب في الأمر ، / فلندع هذه العلوم الآن . أمّا العلم في العالم الأعلى ، فإنّه هو الذي أشار إليه أفلاطون إذ قال : « ليس هذا العلم غير ما يكون عليه إن كان في غيره » . أمّا كيف يتحقّق
تاسوعات أفلوطين — صفحة 485
مساهمون: أفلوطين
ص٤٨٥